# أثر قول الصحابي وحجيته الأصولية: دراسة مقارنة بين المتقدمين والمتأخرين وتحليل نقدي لمواقف الألباني والشوكاني والصنعاني


يُعنى الفكر الأصولي بتمحيص الأدلة الشرعية وتصنيفها من حيث القطعية والظنية، وتعد مسألة "قول الصحابي وحجية العمل به" من أمهات المسائل التي تفرعت عنها مناهج الاجتهاد وصيغت على ضوئها الفروع الفقهية. وفي هذا السياق، يقدم كتاب "قول الصحابي وحجية العمل به" لمؤلفه الشيخ محمد رضا القهوجي الصادر عن دار النوادر، دراسة أصولية مقارنة تركز على المسارات المذهبية الأربعة وتطبيقاتها الفقهية لتفكيك معالم هذا البحث المتشعب. ويهدف هذا التقرير العلمي إلى سبر غور هذه المسألة عبر تتبع مسالك المتقدمين ومتأخري الأصوليين، واستجلاء مواقف ثلاثة من كبار المحدثين الأصوليين الذين تركت ترجيحاتهم أثراً بليغاً في الفقه السلفي والأثري المعاصر، وهم الألباني، والشوكاني، والصنعاني، مع تقديم سياق تحليلي يقف على آليات توظيفهم لتلك القواعد الأصولية في ثنايا مصنفاتهم التطبيقية.

## التحديد المفهومي والحدود المنهجية للصحابي وقوله

يستدعي فهم الأبعاد التشريعية لقول الصحابي ضرورة الوقوف على تمايز الحدود المنهجية بين مدرستي المحدثين والأصوليين في صياغة مفهوم "الصحابي". فبينما يتبنى المحدثون تعريفاً واسعاً يتواءم مع طبيعة علم الإسناد لضبط عدالة الرواة وصيانة نقل السنن، حيث يُعرف الصحابي عندهم بكل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك وإن قصرت رؤيته ، يجنح الأصوليون إلى تضييق هذا حد ليتسق مع وظيفة استنباط الأحكام ومسالك الاجتهاد. فالأصولي يشترط الملازمة العرفية وطول الصحبة التي تتيح للصحابي رصد أسباب النزول وملابسات التشريع ليتكون لديه الفقه والملكة الاستنباطية. وينبثق عن هذا التمايز شرط إضافي حاسم قرره أئمة الأصول؛ وهو أن الحجية عند القائلين بها لا تثبت لكل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم من الأعراب أو عامة الناس، بل تنحصر صراحة في قول الصحابي الذي بلغ رتبة الاجتهاد وكانت له قدم راسخة في الفقه والنظر.

أما "قول الصحابي" أو "مذهبه" الذي هو محل النزاع، فيُقصد به مذهبه واجتهاده الفقهي وفتواه وقضاؤه الصادر عنه قولاً أو فعلاً في نازلة لم يرد فيها نص صريح من الشارع ولم ينعقد عليها إجماع قطعي. وتكتسب هذه الأقوال قيمتها المنهجية من أن فتاوى الصحابة لا تخرج في واقع الأمر عن ستة احتمالات أصولية تدور بين التوقيف والاجتهاد العميق، حددها شراح الأصول بما يلي :

 1. سماع الحكم مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم.

 2. سماعه من صحابي آخر شافه النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب.

 3. فهم دقيق أوتيه الصحابي من كتاب الله تعالى خفي على من بعدهم.

 4. اتفاق الصحابة على أمر لم ينقل إلينا إلا بلسان هذا الصحامي المنفرد.

 5. الاجتهاد المبني على القياس الكلي ومقاصد الشريعة التي عايشها الصحابي.

 6. الفهم اللغوي السليقي لخطاب الوحي الذي تفرّد به جيل الصحابة دون حاجة لعلوم الآلة.

## التقسيم الأصولي لقول الصحابي وتحرير محل النزاع

لتحرير محل النزاع بدقة منهجية، يتعين تقسيم تصرفات الصحابي وأقواله إلى مسارات واضحة تحدد ما يخرج عن دائرة الخلاف الأصولي وما يدخل فيها ضمن مستويات الاحتجاج الأربعة:

أولاً: ما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه، ويشمل الأخبار الغيبية، وأمور الآخرة، والمقادير العددية، والكفارات التوقيفية. ولهذا المسار حكم الرفع (المرفوع حكماً)، وهو حجة شرعية باتفاق الأئمة الأربعة إلا إذا طرأ احتمال أخذ الصحابي عن الإسرائيليات أو كتب أهل الكتاب.

ثانياً: ما اشتهر وانتشر من فتاوى وقضاء بين الصحابة في المحافل العامة ولم يُعرف له مخالف منهم، كحكم عمر بن الخطاب في جعل طلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثاً. وهذا المسار يُعد إجماعاً سكوتياً، وهو حجة قطعية أو ظنية راجحة عند جماهير العلماء والفقهاء.

ثالثاً: ما تنازع فيه الصحابة واختلفوا فيه، كاختلاف ابن عباس وابن عمر في حكم الحاج إذا جامع زوجته بعد التحلل الأول وقبل طواف الإفاضة. وفي هذه الحالة، لا يكون قول أحدهم حجة على الآخر باتفاق العلماء، والواجب هو التخير والترجيح بالدليل دون الخروج عن مجموع أقوالهم.

رابعاً: قول الصحابي المنفرد في مسائل الاجتهاد، وهي الفتاوى الصادرة عن مجتهدي الصحابة التي لم تشتهر ولم يُعلم لها موافق أو مخالف من جيلهم. ويعد هذا المسار هو محل النزاع الأصولي الرئيس بين مثبت للحجية ونافٍ لها ، ويشترط القائلون بحجيته ألا يخالف نصاً شرعياً مرفوعاً، وألا يعارضه قياس جلي أقوى منه.

## جدلية المتقدمين والمتأخرين وتفكيك مغالطة "الجمهور"

تبرز عند دراسة مواقف العلماء عبر العصور مفارقة منهجية دقيقة نبه إليها المحققون، وتتعلق بإطلاق مصطلح "الجمهور" في هذا الباب. فبينما يستقر في أدبيات أصول الفقه لدى المتأخرين أن "الجمهور" على القول بعدم حجية قول الصحابي، فإن التدقيق يقتضي تقسيم الجمهور إلى مسلكين متمايزين :

يذهب جمهور الفقهاء والمحدثين إلى القول بحجية قول الصحابي وأنه أصل من أصول التشريع يُقدم على القياس. وهو المعتمد عند المالكية، والحنفية في مشهور مذهبهم، والحنابلة في أصح الروايات عن الإمام أحمد، والقول القديم للشافعي بل والجديد في مواضع عدة كشواهد تطبيقية.

بينما يذهب جمهور الأصوليين من المتكلمين إلى بطلان هذه الحجية وتجريد قول الصحابي من الصلاحية التشريعية الملزمة لمن بعدهم. ويمثل هذا الموقف الأشاعرة والمعتزلة، والقول الجديد للشافعي في المشهور عنه.

وقد تسلح النافون للحجية بأدلة عقلية ونقلية؛ على رأسها انتفاء دليل العصمة الفردية عن آحاد الصحابة رضي الله عنهم. فالصحابي مجتهد يجوز عليه الخطأ والسهو كغيره من المجتهدين، وتقرير الحجية لقوله يستلزم مساواته بالشارع المعصوم وهو باطل. كما احتجوا بآية الرد: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" ، فلو كان قول الصحابي مرجعاً تشريعياً لوجب ذكره في الآية. في المقابل، يرى أنصار الحجية أن فضل الصحابة وملازمتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم للتنزيل تمنح اجتهادهم وقاراً علمياً ورجحاناً معرفياً يجعل رأيهم أهيب وأقرب للصواب من آراء المتأخرين الذين كسبوا علومهم كسباً عبر أدوات لغوية ومنطقية طارئة.

## أثر قول الصحابي في تخصيص عموم النصوص الشرعية

إن من أثرى التطبيقات الأصولية لهذه المسألة مسألة "تخصيص العموم بمذهب الصحابي أو فعله"، وهي التي تكشف مدى نفاذ الفتوى الفردية للصحابي في مواجهة عموم الأدلة اللفظية. وتتخذ هذه المسألة صورتين رئيسيتين بناءً على كون الصحابي هو راوي النص العام أو غير راويه :

إذا كان الصحابي هو راوي النص العام وعمل بخلافه أو خصصه، يرى الحنفية والحنابلة تقديم مذهبه وفعله وتخصيص عموم النص به. وتبرز هنا الحجة المنهجية التي صاغها الحنفية؛ وهي أن الصحابي المجتهد لا يمكن أن يخالف مرويه العام أو يقيده إلا لعلم لديه بقرينة أو مخصص شافه به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقله باللفظ، فصار فعله بمثابة رواية تفسيرية تخصص العموم. ومثّلوا لذلك بصنيع أبي هريرة رضي الله عنه في غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث غسلات مع روايته للحديث المرفوع الآمر بسبع غسلات.

بالمقابل، يتمسك الشافعية والمالكية والجمهور من الأصوليين بوجوب العمل بعموم اللفظ وترك مذهب الراوي واجتهاده؛ مستدلين بقاعدتهم الشهيرة: "العبرة بما روى الراوي لا بما رأى". ويرى هؤلاء أن اللفظ العام للحديث حجة معصومة عن الشارع، بينما اجتهاد الصحابي في مخالفته أو تخصيصه مظنون غير معصوم، واليقين المعصوم لا يُترك للظن الفردي. ولهذا رد الشافعي تخصيص ابن عباس لحد الردة بالرجل دون المرأة، كما رد تخصيص نفي الزكاة عن الخيل ببعض أصنافها. أما إذا لم يكن الصحابي هو راوي الحديث، فإن من يرى الحجية يجيز التخصيص لأن قول الصحابي مقدم على القياس، وحيث جاز التخصيص بالقياس فبقول الصحابي أولى. بينما يمنع النافون للحجية التخصيص بقوة لعدم صلاحية قول الصحابي لمعارضة النص العام ابتداءً.

## قراءة نقدية لمواقف الأئمة الثلاثة: الشوكاني والصنعاني والألباني

تتبلور في الفقه الحديث قراءات نقدية بالغة الدقة حاولت إعادة بناء المسألة الأصولية وتحرير فروعها التطبيقية، ويمثل الأئمة الشوكاني والصنعاني والألباني قمم هذا المنهج الأثري التجديدي:

### أولاً: الإمام الشوكاني في "إرشاد الفحول"

صاغ الشوكاني في كتابه "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول" -الذي يرجعه المحققون إلى كونه تلخيصاً وتعميقاً لكتاب "البحر المحيط" للزركشي مع استمداد واسع من "المحصول" للفخر الرازي و"التنقيح" و"الإحكام" لابن حزم والآمدي - صاغ موقفاً سلفياً أثرياً صارماً. ناقش الشوكاني المذاهب الأربعة وأدلتها الفقهية والأصولية تفصيلاً ، وخلُص بجسارة علمية إلى نفي الحجية التشريعية لقول الصحابي المنفرد في مسائل الاجتهاد نفيًا مطلقًا. وقرر الشوكاني في عبارة شهيرة موجهة لطلاب الحق:

> "اعلم أن الله لم يجعل إليك وإلى سائر هذه الأمة رسولاً إلا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يأمرك باتباع غيره، ولا شرع لك على لسان سواه من أمته حرفاً واحداً".

وبهذا يضع الشوكاني حداً فاصلاً بين مرتبة النبوة المعصومة ومرتبة الصحبة الشريفة، رافضاً خلط رتب الاجتهاد بمقام التشريع الإلهي.

### ثانياً: الإمام الصنعاني ومشارب الاستدلال

يتسم نتاج الإمام الصنعاني بعمق لافت تشكل عبر بيئته الزيدية في اليمن والتي فرضت عليه نوعاً من المداراة أحياناً كإطلاق عبارة "عليه السلام" عند ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وفي مصنفه الأصولي الشهير "إجابة السائل شرح بغية الآمل" ، الذي شرح فيه منظومة الكافل "بغية الآمل" بالتعاون مع تلميذه إسماعيل بن محمد ، قرر الصنعاني صراحة عدم الاحتجاج بقول الصحابي الفردي. وناقش أدلة الحافظ ابن القيم في "إعلام الموقعين" الذي أطال الاحتجاج لمذهب الصحابي، وخلُص الصنعاني بعد مناقشة تلك الأدلة والرد عليها إلى أن هذا القول لا ينهض عليه الدليل.

ويرتبط بكتابه الفقهي الشهير "سبل السلام" تداخل منهجي؛ فالكتاب في أصله لم يؤلفه الصنعاني ابتداءً بل اختصر فيه كتاب "البدر التمام" لعالم الزيدية الحسين بن محمد المغربي. وبسبب هذا الاختصار، وقع الصنعاني في عدم تحقيق لبعض أقوال ومذاهب الإمامين أحمد بن حنبل ومالك ، وتناقض في بعض المواضع التطبيقية كما نبه الشيخ الألباني في حواشيه. ومن هذه المظاهر تذبذب موقفه التطبيقي في سبل السلام؛ حيث ذكر تارة أن "قول الصحابي حجة في هذا إذا لم يخالف نصاً..." ، بينما يقرر أصولياً في "إجابة السائل" نفي هذه الحجية بالكلية متسقاً مع أطروحته الحديثية في "توضيح الأفكار" التي انتقد فيها جعل الرؤية كالعصمة في تصحيح مرويات مروان بن الحكم أو تبرير أخطاء بعض صغار الصحابة كالوليد بن عقبة وبسر بن أرطأة.

### ثالثاً: الشيخ الألباني والصياغة الأثرية التطبيقية

يقدم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني أنموذجاً فريداً يمزج بين دقة المحدث وحركية الأصولي في تنزيل القواعد. ويتلخص منهجه الأثري في التفرقة الدقيقة بين قول الصحابي وفعل الصحابي الذي يقع موقع الشرح للنص الشرعي :

 * **القول والفعل الذي لا معارض له**: إذا صح السند عن صحابي عُرف بكثرة الصحبة والتفقه، ولم يُعلم له مخالف من جيله، ولم يعارض نصاً مرفوعاً ولا قياساً صحيحاً، يرى الألباني أن اتباعه خير وبركة وأقرب للصواب من آراء الفقهاء اللاحقين. ويحتج به الألباني لنفسه ويطمئن إليه فقهياً، كإفتائه بكراهة الأكل قائماً عملاً بفتوى أنس بن مالك رضي الله عنه حين سُئل عن الأكل قائماً فقال: "ذاك أشر وأخبث". وحمل الألباني هذا الأثر على الاحتجاج لعدم وجود معارض صريح له في السنة، وجمع بينه وبين حديث ابن عمر ("كنا نشرب ونحن قيام ونأكل ونحن نمشي") بأن الشرب قائماً ورد فيه نهي صريح فنسخ الإذن، بينما الأكل ماشياً بقي على الجواز، أما الأكل قائماً فاستند منعه إلى فهم أنس وتغليظه.

 * **الراوي أدرى بمرويه ودلالة التخصيص**: يطبق الألباني قاعدة "الراوي أدرى بمرويه" بحذر بالغ وفي مواضع محددة تخدم تفسير النصوص لا معارضتها. ففي مسألة أخذ ما زاد على القبضة من اللحية، يحتج الألباني بقوة بفعل عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم. ويرى أن عموم النص الآمر بإعفاء اللحى وتوفيرها قد جرى عمل السلف (وعلى رأسهم راوي الحديث ابن عمر) على قصر الإعفاء على ما دون القبضة والأخذ مما زاد عليها. ويُجيب الألباني المعترضين بأن السلف لو فهموا الاستغراق المطلق لعموم اللفظ لما تجرأ ابن عمر -وهو أشد الناس اتباعاً لآثار النبي صلى الله عليه وسلم- على الأخذ منها. وبذلك يُعد فعل ابن عمر عنده مخصصاً عملياً للعموم اللفظي ، وهو ما وافقه عليه الإمام أحمد بن حنبل قديماً بتفسير الإعفاء والارخاء بما فعله الراوي. بينما يخالف هذا المنهج في تعارض الرأي الصرف للراوي مع النص الصريح كفتوى أبي هريرة بغسل الإناء ثلاثاً؛ إذ يقدم الألباني الرواية على الرأي انسجاماً مع جماهير المحدثين.

## مقارنة تطبيقية ومنهجية لمواقف الأئمة الثلاثة

تتبدى الفروق المنهجية التطبيقية بين الأئمة الثلاثة عند رصد تفاعلاتهم الأصولية مع النوازل والمسائل الفقهية المختلفة، ويظهر هذا التباين في ثلاثة محاور رئيسة:

المحور الأول يتعلق بمسألة الأخذ من اللحية ما زاد عن القبضة؛ حيث يمنع الإمام الشوكاني هذا الأخذ تمسكاً بظاهر العموم وعموم نصوص الإعفاء والترك النبوية، ولا يعتد بفعل عبد الله بن عمر كمخصص للعموم. ويسير الإمام الصنعاني على ذات المسلك الأصولي الصارم مانعاً الأخذ التزاماً بالعموم النبوي ورافضاً حجية فعل الصحابي إذا عارض ظاهر اللفظ. في حين يخالفهما الشيخ الألباني تطبيقياً، فيجيز الأخذ بل يراه مخصصاً لعموم النص بفعل راويه (ابن عمر وأبي هريرة) وجرياناً لعمل السلف رضي الله عنهم عليه.

المحور الثاني يدور حول الموقف من الرأي الاجتهادي المنفرد للصحابي؛ فالشوكاني يرى أنه ليس بحجة مطلقاً ولا يجوز ترك القياس أو العموم لأجله. ويوافقه الصنعاني في أطروحته الأصولية بـ "إجابة السائل" مقرراً نفي هذه الحجية بالكلية صيانة للشريعة من المظنونات. وعلى النقيض، يرى الألباني أن مذهب الصحابي المجتهد حجة يُعمل بها عند عدم وجود المعارض، وهو أحب إليه من رأي الأئمة والفقهاء المتأخرين.

المحور الثالث يعالج مسألة مخالفة الصحابي الراوي لظاهر حديثه؛ إذ يتمسك الشوكاني بأن العبرة برواية الصحابي لا برأيه واجتهاده الشخصي المخالف للفظ المرفوع المعصوم. ويتطابق معه الصنعاني أصولياً مقدماً الحديث النبوي ومهدراً رأي الصحابي المخالف لمرويه. ويتسق الشيخ الألباني مع هذا التوجه عند التعارض الجلي (مثل تقديم رواية السبع غسلات في ولوغ الكلب على فتوى أبي هريرة بالغسل ثلاثاً) فيقدم الرواية على الرأي.

ويرجع هذا التباين في الفتاوى والتطبيقات إلى أثر البيئة المعرفية في صياغة مواقف هؤلاء الأئمة؛ فالإمام الشوكاني نشأ في بيئة يمنية زيدية منفتحة على الاجتهاد المطلق والتحرر المذهبي ، مما جعله يتبنى منطلقاً يحصر الأدلة التكليفية في الكتاب والسنة ويجرد غير المعصوم من سلطة التشريع، وهو ما صبغ مصنفاته كـ "إرشاد الفحول" و"نيل الأوطار" بالصرامة المنهجية. أما الإمام الصنعاني، فقد عاش في بيئة فرضت عليه نوعاً من المداراة أحياناً ، وتأثرت مصنفاته التطبيقية كـ "سبل السلام" باختصاره لكتاب "البدر التمام" لعالم الزيدية المغربي ، مما تسبب في تباين يسير بين تجريده الأصولي الصارم في "إجابة السائل" بنفي الحجية  وتطبيقاته العملية في "سبل السلام". في المقابل، انطلق الشيخ الألباني من مدرسة حديثية أثرية تعتمد السند وتتبع أثر السلف العملي لتفسير النصوص ، مفرقاً بين الفهم العملي الشارح للراوي الذي يقع موقع البيان (وهو حجة ومخصص عنده) وبين الرأي المحض المعارض للنص المرفوع الذي يتعين طرحه.

## القراءة التحليلية للعلاقات السببية والمآلات الفقهية

تكشف التفاعلات المنهجية العميقة بين هذه القواعد الأصولية عن شبكة من العلاقات السببية والمآلات الفقهية التي تؤثر في بنية الفتوى المعاصرة. فعندما يقرر الشوكاني والصنعاني تجريد قول الصحابي من الحجية، فإن ذلك لا ينبع من تقليل شأن الجيل الأول، بل من رغبة حثيثة في غلق ذرائع التقليد المذهبي وإعادة الأمة إلى النبع الصافي للوحي المعصوم. بيد أن هذا المنزع التجريدي يواجه تحدياً حقيقياً عند الاصطدام بالنصوص العامة التي تتطلب بياناً وتخصيصاً عملياً؛ وهنا يظهر تميز الصياغة الأثرية للشيخ الألباني الذي تنبه إلى أن نفي الحجية المطلقة لقول الصحابي لا يعني بحال إهدار صنيعهم الذي جرى مجرى الشرح والبيان لسنن المصطفى صلى الله عليه وسلم.

إن هذا التمايز بين "الحجية التشريعية الاستقلالية" و"القرينة البيانية التفسيرية" يمثل المخرج الأصولي الذي تتصالح فيه المدرسة الأثرية مع عمل السلف. فعندما يُعتبر فعل ابن عمر في اللحية أو فتوى أنس في الأكل قائماً كقرائن تطبيقية لا كأدلة منشئة للحكم، يتم تصريف النص العام في حدوده التي فهمها معاصرو التنزيل، وفي الوقت ذاته يُحافظ على تفرد الرسول صلى الله عليه وسلم بمقام التشريع والعصمة. وعلى النقيض من ذلك، فإن الجمود على رفض الفهم السلفي التطبيقي بدعوى عدم حجية قول الصحابي قد يوقع الفقيه في فخ إحداث عبادات أو هيئات لم تكن قائمة في عهد النبوة، وهو ما حذر منه الألباني مراراً عند كلامه عن بدع العبادات الطارئة التي لم يجر عليها عمل السلف رضي الله عنهم.

## الخلاصة والتوجيه الأصولي المعاصر

تنتهي القراءة الفاحصة لجهود المتقدمين والمتأخرين وتفصيلات المحققين الثلاثة إلى بلورة رؤية أصولية متكاملة تتجاوز صراع المصطلحات الطاردة إلى فضاء التطبيق الفقهي المتكامل. إن قول الصحابي رضي الله عنه ليس دليلاً تشريعياً مستقلاً ينشئ الأحكام ابتداءً في مقابلة نصوص الوحي المعصوم، بل هو مرآة تفسيرية وأداة بيانية لا غنى عنها لفهم دلالات الألفاظ وتوجيه العمومات وتفسير المجملات. وتتحقق السلامة المنهجية للفقيه المجتهد بالجمع الحذر بين تعظيم الدليل المرفوع وصيانته من التخصيص بالأقوال المظنونة، وبين الاستئناس الرشيد بعمل جيل الصحابة الذين عايشوا التنزيل وفهموا مراد الشارع بسليقتهم النقية، مما يضمن بقاء الفقه الإسلامي متصلاً بأصوله الأولى، معصوماً من شطط الآراء المحدثة.

## المصادر والمراجع (وفق نظام شيكاغو الأكاديمي)

الآمدي، سيف الدين علي بن أبي علي. *الإحكام في أصول الأحكام*. تحقيق سيد الجميلي. بيروت: دار الكتاب العربي، 1404هـ.

الألباني، محمد ناصر الدين. *سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها*. الرياض: مكتبة المعارف، 1415هـ / 1995م.

ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. *مجموع الفتاوى*. جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416هـ / 1995م.

الشوكاني، محمد بن علي. *إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول*. تحقيق محمد صبحي بن حسن الحلاق. دمشق: دار ابن كثير، 1421هـ / 2000م.

الصنعاني، محمد بن إسماعيل الأمير. *إجابة السائل شرح بغية الآمل*. تحقيق عياض بن نامي السلمي. الرياض: دار التوحيد، 1420هـ.

الصنعاني، محمد بن إسماعيل الأمير. *سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام*. بيروت: دار الكتب العلمية، 1426هـ / 2005م.

الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. *المستصفى من علم الأصول*. تحقيق محمد سليمان الأشقر. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1417هـ / 1997م.

ابن القيم، شمس الدين محمد بن أبي بكر الجوزية. *إعلام الموقعين عن رب العالمين*. تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد. بيروت: دار ابن الجوزي، 1423هـ.

القهوجي، محمد رضا. *قول الصحابي وحجية العمل به*. دمشق: دار النوادر، 1433هـ / 2012م.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

# منهجية التكبير الفردي والجماعي في الفقه الإسلامي: دراسة تحليلية مقارنة للأدلة والأقوال والعلل الحديثية ## تأصيل صفة التكبير الفردي في الشعيرة الإسلامية

# فقه دار الهجرة: دراسة تحليلية في الأصول المنهجية والتطبيقات العملية للمذهب المالكي ## المدخل المنهجي والأصولي للمذهب المالكي

# وجوب تأخير الأضحية عن صلاة العيد وحكم ذبحها قبل الإمام