# منهجية التكبير الفردي والجماعي في الفقه الإسلامي: دراسة تحليلية مقارنة للأدلة والأقوال والعلل الحديثية ## تأصيل صفة التكبير الفردي في الشعيرة الإسلامية
تمثل شعيرة التكبير المطلق والمقيد في الإسلام مظهرًا تعظيميًا من أجلّ الطاعات التي تبرز هوية الأمة وتوحيدها لخالقها سبحانه وتعالى في مواسم الطاعات الكبرى كعشر ذي الحجة وأيام التشريق وعيدي الفطر والأضحى. ومن دقيق ما قرره المحققون من علماء الشريعة تفصيل صفة الأداء التعبدي لهذه الشعيرة، حيث يبرز التكبير الفردي كأصل أصيل متفق على مشروعيته وسنيته. ويُعرّف التكبير الفردي بأنه الهيئة التي يكبّر فيها كل مصلٍّ بمفرده وبصوت مستقل بعد الفراغ التام من أذكار الصلاة الراتبة والاستغفار المعهود دبر الصلوات المكتوبة. وهو سُنّة مؤكدة ومشروعة في عشر ذي الحجة وأيام التشريق، حيث يبدأ المحتفلون بالعيد أو المصلون بالتكبير بشكل مستقل دون الانخراط في جماعة منظمة أو الانقياد خلف صوت موحد يقودهم ويوحد حركات نطقهم وسكونهم.
وتنبثق أهمية البناء الفردي للتكبير من كونه يحافظ على استقلالية المتعبد وخشوعه الشخصي، ويمكّنه من استحضار معاني الإجلال دون الانشغال بمجاراة النغمات أو مراعاة التزامن الصوتي مع الآخرين. وفي هذا السياق، قرر طائفة من أئمة الحديث والأصول كالألباني والوادعي أن البدء بالتكبير المقيد عقب الصلوات لا ينبغي أن يقطع الأذكار المشروعة التي واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم دبر كل صلاة مكتوبة طيلة العام؛ بل يقدم المصلي الاستغفار والأذكار الثابتة أولاً، ثم يشرع في التكبير الفردي، صيانةً للسنن الراتبة من الاندثار أو المداخلة مع الشعائر الموسمية العارضة. وتتأسس هذه المنهجية على الجمع بين امتثال شعيرة الوقت العامة وبين المحافظة على النظم التعبدية اليومية التي قررتها الشريعة لكل مصلٍّ على حدة.
## المذاهب الفقهية الأربعة وموقف موفق الدين ابن قدامة المقدسي
تتباين مواقف المذاهب الفقهية الأربعة في حكم التكبير الجماعي الموحد بصوت واحد، وتتفاوت في استنباط الكيفية المستحبة لإظهار هذه الشعيرة، بين مائل للتبديع ومستحسن للمشاركة الجماعية المنفردة.
### المذهب الحنفي
يتأسس المذهب الحنفي على تفضيل خفض الصوت بالذكر والالتزام بالسكينة والوقار، إعمالاً للعمومات القرآنية الحاثة على الإسرار بالدعاء والذكر. ويرى فقهاء الحنفية، كما حرره العلامة ابن عابدين في حاشيته "رد المحتار على الدر المختار"، أن الأصل الأصولي في الأذكار هو الإخفاء، وأن الجهر بالتكبير في الأضحى إنما ثبت مستثنى لإظهار الشعار فيقتصر فيه على حدوده الشرعية دون زيادة. أما التكبير الجماعي المنظم بصوت واحد متزامن ابتداءً وانتهاءً، فلم يستحبه أئمة الحنفية بل يرون أن يكبر كل مصلٍّ منفرداً بصوت يسمع نفسه ومن يليه دون تشويش. وقرر متأخرو الحنفية جواز رفع العامة لأصواتهم بالتكبير في الأسواق دون الالتزام بهيئة الاجتماع الصوتي الموحد، رغبة في تنشيط الناس وتفادياً لترك الشعار بالكلية.
### المذهب المالكي
يبدي المذهب المالكي حذراً أصولياً تجاه الهيئات المجتمعة في الأذكار التي لم يجر بها عمل أهل المدينة. وقد انقسم المالكية في المسألة؛ فنقل العلامة الدسوقي في حاشيته تفصيلاً يفرق فيه بين المواضع، معتبراً أن التكبير الجماعي بصوت واحد في الطرقات وأثناء المشي إلى المصلى يعد بدعة غير مشروعة، بينما استحسن بعض أئمة المذهب كأبي عمرو الفارسي وأبي بكر بن عبد الرحمن التكبير جماعة وهم جالسون في المصلى ينتظرون صلاة العيد. وفي المقابل، تشتد عبارات الإنكار لدى محققي المذهب كابن الحاج في كتابه "المدخل"، حيث عَدّ رفع الصوت الجماعي على هيئة التطريب والتلحين الموحد إخراجاً للعبادة عن سمتها الشرعي ووقارها المعهود.
### المذهب الشافعي
يعد المذهب الشافعي من أكثر المذاهب توسعاً في إجازة التكبير جماعة وفرادى. فقد نص الإمام الشافعي في كتاب "الأم" صراحة على استحباب الجهر بالتكبير مطلقاً ومقيداً، بقوله: "إذا رأوا هلال شوال أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى في المسجد والأسواق والطرق والمنازل، ومسافرين ومقيمين، في كل حال، وأين كانوا، وأن يظهروا التكبير". ويوضح الإمام المزني في مختصره هذا الاستحباب بشموله لليلتين. إلا أن شراح المذهب اختلفوا في تفسير مراد الشافعي بلفظ "جماعة"؛ فمنهم من حملها على الاجتماع في مكان واحد مع تكبير كل فرد على حدة بصوت منفرد متداخل ، ومنهم من رأى مشروعية توافق الأصوات وتزامنها لتقوية الصوت وإظهار الشعار بقوة في المحافل العامة.
### المذهب الحنبلي وموقف ابن قدامة المقدسي
يقرر الحنابلة مشروعية التكبير المقيد عقب الصلوات الخمس المفروضة في الجماعة للرجال. ويبرز في هذا المذهب رأي إمام المذهب ومحققه موفق الدين ابن قدامة المقدسي في كتابه الموسوعي "المغني"، حيث يفصل أحكام التكبير مستدلاً بالآية القرآنية الكريمة ويقرر استحباب إظهار التكبير في ليلتي العيد في المساجد والمنازل والطرقات، مسافرين أو مقيمين. وبشأن مشاركة النساء، يرى ابن قدامة مشروعية تكبيرهن في الجماعة تبعاً للرجال، مستنداً إلى الآثار المروية عن النساء في الصدر الأول. ويكتب في "المغني": "وكذلك النساء يكبرن في الجماعة"، مع تقييد ذلك بخفض أصواتهن حذراً من الفتنة.
ويفهم من منهجية ابن قدامة أن الاجتماع على التكبير مرخص فيه كشعار عام تشترك فيه فئات المجتمع بما فيهم النساء خلف الرجال. إلا أن متأخري الحنابلة كالبهوتي في "شرح منتهى الإرادات" قرروا استحباب المبالغة في التكبير عقب المكتوبة جماعة دون أن يعني ذلك التزام الهيئة المطربة الموحدة التي تماثل الترانيم غير الإسلامية.
## مواقف أئمة التحقيق والمحدثين المتأخرين والمعاصرين
تتكامل الرؤية الفقهية لشعيرة التكبير باستقصاء تحقيقات كبار العلماء والمحدثين من المدارس السلفية والاجتهادية المستقلة.
### الشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم
يؤسس شيخ الإسلام ابن تيمية أطروحته في "مجموع الفتاوى" و"الفتاوى الكبرى" على قاعدة أصولية راسخة تفرق بين "الاجتماعات العارضة" و"الاجتماعات الراتبة المخترعة". ففي جوابه عن سؤال يتعلق باجتماع عوام الفقراء للذكر البكائي والضرع الجماعي، قرر أن اتخاذ اجتماع راتب يتكرر بصفة دورية لغير العبادات التي نصت عليها الشريعة (كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين والحج) هو من البدع المحدثة لأنها تضاهي الاجتماعات الراتبة المشروعة.
وتأسيساً على ذلك، فإن تنظيم مجموعات تكبر بصوت واحد ومنتظم بصورة دورية ومصطنعة يقع في دائرة المنع عنده مضاهاةً للمشروع. ومع ذلك، يقرر ابن تيمية أن التكبير في ذاته مشروع في المواضع العظيمة كدفع الأعداء، وإطفاء الحريق، وفي الحروب، مما يبين أن التكبير يشرع للمناسبات الكبرى لكثرة الجمع وعظمة الحال. ويتابع تلميذه ابن القيم هذا المنهج مقرراً أن الهيئات التعبدية توقيفية، وأن إخراج الأذكار إلى قوالب نغمية متزامنة يذهب بخشوع القلب ويخرج العبادة عن مسارها الفردي القائم على الانكسار والتضرع الذاتي.
### الإمامان الشوكاني والصنعاني
يمثل الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني في "سبل السلام" والإمام محمد بن علي الشوكاني في "نيل الأوطار" مدرسة الدوران مع الدليل والتحرر من ربقة التقليد المذهبي الضيق. ويتجه فهم الشوكاني لآثار التكبير الجماعي المروية في منى إلى كونها دليلاً على اتساع الرقعة الصوتية التعبدية. فقد فسر قوله في الأثر "حتى ترتج منى" بأنه مبالغة لغوية في اجتماع رفع الأصوات وتداخلها، وهو ما يقتضي تعظيم الشعار وظهوره بقوة في المحافل العامة.
ولم يجد الشوكاني ولا الصنعاني حرجاً في حدوث هذا الجهر الجماعي العارم، بل يريانه دليلاً على إظهار قوة الحال الإسلامية، شريطة خلوه من التكلف والتلحين الذي يخرج اللفظ عن طهارته التعبدية.
### المحدث الألباني
يعد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني من أبرز المتأخرين الذين تتبعوا هيئات التكبير الجماعي بالبحث والتبديع. فقد قرر في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" أن الجهر بالتكبير هنا مشروع ومستحب، إلا أن الاجتماع عليه بصوت واحد متزامن -كما يفعله البعض اليوم- لا أصل له في السنة ولا في فعل الصحابة. ويرى الألباني أن كل ذكر يشرع فيه رفع الصوت، فإن المشروع فيه هو الانفراد التام.
كما قرر الألباني حكماً أصولياً تفرد به، وهو أن تقييد التكبير بكونه دبر الصلوات المكتوبة مباشرة على الهيئة المستقرة في الأعصار المتأخرة هو أمر حادث لم يثبت في السنة النبوية المطهرة. وبناءً عليه، يرى الألباني أن السنّة هي البدء بالأذكار الراتبة المعتادة دبر الصلوات أولاً، ثم التكبير في كل وقت مطلقاً دون الارتباط الحتمي بختام الفريضة مباشرة.
## الشرح الفقهي واللغوي للأحاديث والآثار المروية
يتطلب الفهم الدقيق للمسألة تفكيك البنية الدلالية واللغوية للنصوص والآثار الحاكمة في الباب، ولا سيما دلالات التزامن والمعية والاجتماع الصوتي.
### حديث أم عطية الأنصارية رضي الله عنها
* **نص الحديث:** عن أم عطية رضي الله عنها قالت: "كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نخرج البكر من خدرها، حتى نخرج الحيض فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته". وفي رواية مسلم بلفظ: "يكبرن مع الناس".
* **الشرح الفقهي واللغوي:** يستدل المجيزون للتكبير الجماعي بعبارة "يكبرن بتكبيرهم" و"يكبرن مع الناس" على مشروعية المعية التزامنية في الأداء الصوتي. إلا أن المانعين يعترضون بأن المعية هنا معية زمان ومكان واقتداء، لا معية صوت متزامن متطابق. ويدل على ذلك عطف "ويدعون بدعائهم" على التكبير، ومعلوم أن الدعاء لا يتوافق بلفظه وصوته في الغالب بين آلاف الحاضرين، وإنما يقتدي بعضهم ببعض، أو يؤمنون على الدعاء، فكذلك التكبير يقتدي فيه المتأخر بالمتقدم دون حاجة لتطابق حركات النطق والسكون.
### أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قبته بمنى
* **نص الأثر:** "كان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق، حتى ترتج منى تكبيراً".
* **الشرح الفقهي واللغوي:** يرى الشوكاني والحافظ ابن حجر أن لفظة "ترتج" (بتثقيل الجيم) مأخوذة من ارتجاج البحر إذا اضطرب وتحرك، وهي مبالغة لغوية دالة على اجتماع رفع الأصوات واصطدام موجاتها الصوتية في البقاع. ويدل السياق على أن تكبير الناس كان متعاقباً دائرياً؛ فيسمعه أهل المسجد فيكْبّرون، ثم يسمعه أهل الأسواق فيكْبّرون، مما يملأ الوادي بأصوات متداخلة مهيبة تهتز لها الأرجاء، وليس تكبيراً جوقياً يبدأه منادٍ بآلة تكبير صوتية والناس يرددون خلفه بنغمة موحدة.
### أثر ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما في الأسواق
* **نص الأثر:** "كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما".
* **الشرح الفقهي واللغوي:** تدور المعركة الأصولية هنا حول حرف الجر "الباء" في قوله "بتكبيرهما".
* يقرر القائلون بالتبديع كالبستي والعتيبي أن الباء تفيد السببية المحضة وليست للمصاحبة الصوتية؛ أي أن خروج الصحابيين وتكبيرهما جهراً كان سبباً في تذكير الناس الغافلين في الأسواق بفضيلة التكبير في تلك الأيام، فبادر كل امرئ بالتكبير بمفرده ولنفسه دون تشكيل كورال تعبدي معهما. ويدعم هذا الفهم أن تكبير ابن عمر وأبي هريرة كان يتقدم على الناس زماناً، ومن غير المتصور لغوياً أو واقعياً أن يمشي الناس وراءهما في جنبات السوق الواسعة منشدين صوتاً واحداً متوافق السكنات.
* وفي المقابل، يرى المجيزون كابن شمس الدين أن الرواية الموصولة بلفظ "فيكبر الناس معهما" صريحة في المعية والمشاركة، وهو ما يفيد جواز الأداء الجماعي المتزامن في حيز مكاني واحد.
## دراسة علل الأسانيد وترجمة الرواة للآثار الحاكمة
تتطلب الدقة المنهجية تتبع السلسلة الإسنادية للآثار المروية، وتحليل أحوال الرواة من واقع كتب الجرح والتعديل للحكم النهائي على رتبة الأدلة الحديثية المعتمدة.
### ترجمة رجال إسناد أثر ابن عمر وأبي هريرة في الأسواق
يروى الأثر موصولاً من طريق عفان بن مسلم، ثنا سلام بن سليمان أبو المنذر، عن حميد بن قيس الأعرج، عن مجاهد بن جبر، عن أبي هريرة وابن عمر.
* **عفان بن مسلم الصفار:** هو عفان بن مسلم بن عبد الله الباهلي البصري، أبو عثمان. إمام ثقة ثبت متقن، من كبار شيوخ البخاري وأحمد بن حنبل، توفي سنة 220 هـ. احتج به الشيخان وعامة أصحاب الكتب الستة، وحديثه في أعلى درجات الصحة والإتقان.
* **سلام بن سليمان (أبو المنذر القارئ المزني):** البصري، وهو مدار البحث في وصل هذا الأثر.
* *جرحه وتعديله:* قال ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: "لا بأس به". وسأله ابن الجنيد عنه فقال: "ليس بثقة" (وقد وجه النقاد تضعيف ابن معين له بأنه ربما أراد سلاماً الطويل المتروك الهالك). وقال أبو حاتم الرازي: "صدوق صالح الحديث". وقال أبو داود السجستاني: "ليس به بأس". وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال: "كان يخطئ، وليس هذا بسلام الطويل؛ ذاك ضعيف، وهذا صدوق". وقال الساجي: "صدوق يهم ليس بمتقن في الحديث". وقال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: "صدوق يهم".
* *الأثر الأصولي لترجمته:* حديث سلام أبي المنذر هنا يتقبله الحفاظ في باب الآثار والشواهد التعبدية، ولذلك حسن إسناده الحافظ ابن رجب الحنبلي وصححه الشيخ الألباني في الإرواء.
* **حميد بن قيس الأعرج:** هو حميد بن قيس المكي القارئ الأعرج. ثقة ثبت، من رجال البخاري ومسلم، وثقه يحيى بن معين، وأبو زرعة الرازي، وأبو داود، وابن سعد.
* **مجاهد بن جبر:** هو مجاهد بن جبر المكي، أبو الحجاج. إمام التفسير والحديث، تابعي جليل ثقة ثبت متفق على جلالته وإمامته، روى له الجماعة.
---
### ترجمة رجال إسناد أثر عمر بن الخطاب في منى
يروى الأثر موصولاً من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
* **يحيى بن سعيد القطان:** الإمام الثبت الحافظ، أمير المؤمنين في نقد الرجال وصيانة الأسانيد، توفي سنة 198 هـ، مجمع على جلالته وإتقانه وصحة مروياته.
* **عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ابن جريج):** فقيه الحرم المكي وإمامه، ثقة فاضل ثبت، إلا أنه موصوف بالتدليس والإرسال. وقد صرح بالسماع هنا فارتفعت شبهة تدليسه.
* **عطاء بن أبي رباح:** الإمام التابعي الجليل، مفتي الحرم المكي ومحدثه، ثقة ثبت فقيه، اتفق الشيخان وعامة الأئمة على الاحتجاج بمروياته وجلالة قدره التعبدي والعلمي.
* **عبيد بن عمير الليثي:** هو عبيد بن عمير بن قتادة الليثي المكي، أبو عاصم. ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تابعي ثقة جليل، كان قاص مكة ومفسرها، متفق على توثيقه وروايته في الصحيحين.
تبيّن من هذا العرض التفصيلي لرجال الأسانيد متانة المرويات التي استند إليها الفقهاء، مما يمنح هذه الآثار وزناً معتبراً في البناء الأصولي لاستنباط الكيفية التعبدية للتكبير بشقيه الفردي والجماعي.
## الخلاصة والاستنتاجات الفقهية والأصولية
ينتهي التحليل الفقهي والأثري المقارن لشعيرة التكبير إلى جملة من التقريرات الأصولية الحاكمة لصيانة العبادات وهيئاتها:
* **أولاً:** إن التكبير الفردي يمثل الأصل التعبدي الثابت بالنصوص المستفيضة، وفيه يكبّر كل مصلٍّ بمفرده بصوت مستقل بعد الفراغ التام من أذكار الصلاة الراتبة والاستغفار. وهو سُنّة مشروعة في عشر ذي الحجة وأيام التشريق، حيث يشرع للمتعبدين البدء بالتكبير بشكل مستقل دون التقيد بجماعة أو الارتباط بصوت موحد يقودهم.
* **ثانياً:** يثبت من فقه الصحابة رضي الله عنهم (كعمر وابنه وأبي هريرة) مشروعية الجهر الشديد بالتكبير في المحافل والمساجد والأسواق حتى ترتج الأرجاء بالأصوات المتداخلة المرتفعة. غير أن هذا الارتجاج الصوتي كان نتاجاً طبيعياً لتراكم وتداخل الأصوات الفردية المنبعثة بقوة وحرارة إيمانية، وليس نتيجة تدريب صوتي جماعي أو إخراج نغمتي متزامن.
* **ثالثاً:** تبين من استقراء أقوال الأئمة الأربعة والمحققين أن الهيئات التعبدية مبناها على التوقيف والاتباع. ولذلك فإن الهيئة الجماعية التي يلتزم فيها الناس بنسق نغطي واحد، يبتدئون معاً وينتهون معاً خلف مكبر الصوت، هي هيئة مستحدثة ينبغي تجنبها خروجاً من خلاف الأئمة وسداً لذريعة الابتداع في الكيفيات.
* **رابعاً:** تقتضي رعاية السنن تقديم الأذكار الثابتة دبر الصلوات من استغفار وتسبيح وتحميد وتكبير الصلاة المعتاد، ثم الشروع بعد ذلك في التكبير الفردي المطلق أو المقيد الخاص بالموسم، جمعاً بين صيانة السنن المستقرة وإظهار الشعائر الزمانية العارضة بقوة ووقار.
## المصادر والمراجع
1. الشافعي، محمد بن إدريس. *الأم*. بيروت: دار المعرفة، 1990.
2. المزني، إسماعيل بن يحيى. *مختصر المزني*. بيروت: دار المعرفة، د.ت.
3. البيهقي، أحمد بن الحسين. *السنن الكبرى*. بيروت: دار الكتب العلمية، 2003.
4. الألباني، محمد ناصر الدين. *سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها*. الرياض: مكتبة المعارف، 1995.
5. الوادعي، مقبل بن هادي. *قمع المعاند وزجر الحاقد الحاسد*. صنعاء: دار الآثار، 2005.
6. الشاطبي، إبراهيم بن موسى. *الاعتصام*. تحقيق سليم بن عيد الهلالي. الدمام: دار ابن الجوزي، 1992.
7. ابن الحاج، محمد بن محمد العبدري. *المدخل*. بيروت: دار الفكر، د.ت.
8. ابن عابدين، محمد أمين بن عمر. *رد المحتار على الدر المختار* (حاشية ابن عابدين). بيروت: دار الكتب العلمية، 1992.
9. ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم. *البحر الرائق شرح كنز الدقائق*. بيروت: دار المعرفة، د.ت.
10. البلخي، نظام الدين وجماعة من علماء الهند. *الفتاوى الهندية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان*. بيروت: دار الكتب العلمية، 2001.
11. الصاوي، أحمد بن محمد. *حاشية الصاوي على الشرح الكبير*. القاهرة: دار المعارف، د.ت.
12. الدسوقي، محمد بن أحمد بن عرفة. *حاشية الدسوقي على الشرح الكبير*. بيروت: دار الفكر، د.ت.
13. الشوكاني، محمد بن علي. *نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار*. بيروت: دار الجيل، 1973.
14. النووي، يحيى بن شرف. *الأذكار*. بيروت: دار ابن حزم، 2004.
15. ابن قدامة المقدسي، موفق الدين عبد الله بن أحمد. *المغني*. الجيزة: دار هجر، 1986.
16. البهوتي، منصور بن يونس. *شرح منتهى الإرادات*. بيروت: عالم الكتب، 1993.
17. القرآن الكريم. سورة البقرة، الآية 185.
18. ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. *مجموع الفتاوى*. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1995.
19. الصنعاني، محمد بن إسماعيل. *سبل السلام شرح بلوغ المرام*. تحقيق محمد صبحي حسن حلاق. الدمام: دار ابن الجوزي، 1433 هـ.
20. ابن رجب الحنبلي، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد. *فتح الباري شرح صحيح البخاري*. المدينة المنورة: مكتبة الغرباء الأثرية، 1996.
21. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. *فتح الباري شرح صحيح البخاري*. بيروت: دار المعرفة، 1379 هـ.
22. البخاري، محمد بن إسماعيل. *صحيح البخاري*. بيروت: دار طوق النجاة، 1422 هـ.
23. ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد. *المصنف في الأحاديث والآثار*. تحقيق كمال يوسف الحوت. الرياض: مكتبة الرشد، 1409 هـ.
24. ابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن محمد. *الجرح والتعديل*. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1952.
25. ابن حبان، محمد بن حبان البستي. *الثقات*. حيدر آباد: دائرة المعارف العثمانية، 1973.
26. ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. *زاد المعاد في هدي خير العباد*. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1994.
تعليقات
إرسال تعليق