# العذر بالجهل في الفكر العقدي: جدلية التحصيل والتعقيد بين أهل السنة والجماعة والتوجه الحدادي


تعد مسألة العذر بالجهل من أدق القضايا التي خاض فيها علماء العقيدة والفقه عبر التاريخ الإسلامي، وهي تمثل نقطة ارتكاز جوهرية في ضبط حدود الإسلام والكفر، وتحديد حقوق الأخوة الإيمانية، ورسم معالم الموالاة والمعاداة. إن هذا الملف لا ينفصل عن السياق التاريخي والمنهجي الذي تشكلت فيه المدارس العقدية، حيث يبرز التباين الواضح بين منهج أهل السنة والجماعة القائم على الرحمة والعدل والتحصيل المعرفي العميق، وبين التوجهات الحدادية المحدثة التي نزعت نحو التشدد والتعقيد وتضييق واسع رحمة الله ومجالات الأعذار الشرعية. إن فهم هذه المسألة يستلزم غوصاً عميقاً في أصول التكليف، وموانع الحكم، وتتبعاً دقيقاً لتحولات الفكر العقدي بين المتقدمين والمتأخرين، وما صاحب ذلك من إشكاليات منهجية أثرت على بنية الاستدلال في البحث المعاصر.

## الفلسفة الإبستيمولوجية للتكليف وأصل العذر بالجهل

تقوم بنية التكليف في مذهب أهل السنة والجماعة على أصول شرعية وعقلية تمنع المؤاخذة قبل قيام الحجة. إن المبدأ الأول الذي يقرره المحققون هو أنه لا تكليف على العباد إلا بالشرع المنزل، وهذا يعني أن العقل بمجرده لا يستقل بإنشاء الأحكام التي يترتب عليها الثواب والعقاب في الدار الآخرة. فالشرع هو المنشئ للوجوب والحرمة، وبناءً عليه، فإن هذا الشرع لا يلزم المكلف إلا بعد بلوغه وفهمه على وجه تقوم به الحجة وتزول معه الشبهة.

### القاعدة الكلية: لا عقوبة إلا بعد إنذار

استقرت كلمة أهل السنة على أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد بعثة الرسل وبيان السبل، مستدلين بنصوص قطعية كقوله تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً" وقوله: "رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل". وتقتضي هذه النصوص أن الجهل بمراد الله وأمره ونهيه يعد مانعاً من موانع العقوبة الأخروية، بل هو مانع من ثبوت حكم الكفر على الشخص المعين الذي يشهد بالتوحيد والرسالة ولكنه وقع في مكفر جهلاً أو تأويلاً. إن هذا التأصيل ينسف المناهج التي تحاول إلزام الناس بمقتضى الفطرة أو العقل وحده في مسائل التوحيد الكبرى، حيث يرى ابن تيمية وغيره من المحققين أن الفطرة وإن كانت شاهدة بالتوحيد، إلا أن المؤاخذة والوعيد لا يثبتان إلا بالبلاغ الرسالي. ولولا هذا العذر، لم يكن لإرسال الرسل فائدة تذكر، ولكان الناس ملزمين بالفطرة ابتداءً، وهو ما يخالف صريح القرآن.

## تشريح مفهوم الجهل وتنوع مراتب المكلفين

لا ينظر أهل السنة إلى الجهل ككتلة صماء، بل يجزئونه إلى أنواع ومراتب تختلف أحكامها باختلاف حال الجاهل وبيئته وقدرته على تحصيل العلم. فالجهل الذي يعذر به هو ذلك الذي لا يمكن زواله، أو الذي لم يفرط صاحبه في رفعه.

### الجهل البسيط والمركب وجهل الإعراض

يفرق العلماء بين الجهل البسيط، وهو عدم العلم بالشيء أصلاً، وبين الجهل المركب، وهو اعتقاد الشيء على خلاف حقيقته مع ظن العلم. والجهل المركب أشد، لأنه يتضمن تصوراً خاطئاً يمنع من قبول الحق، ومع ذلك، فإن صاحب الجهل المركب قد يكون معذوراً إذا كان منشأ جهله شبهة قوية عرضت له في بيئة غلب عليها الجهل والبدعة.

أما الفارق الجوهري الذي يضبط المسألة، فهو التمييز بين جهل العجز وجهل الإعراض. جهل العجز هو حال من بذل وسعه ولم يصل إلى العلم، أو من نشأ في بيئة نائية (بادية بعيدة) أو كان حديث عهد بالإسلام، فهذا معذور باتفاق الأئمة. وفي المقابل، نجد جهل الإعراض، وهو حال من يتمكن من العلم ويسمع بالحق ويبلغه كلام العلماء، ولكنه يصد عن التعلم تهاوناً أو استكباراً، فهذا النوع لا عذر لصاحبه، لكونه مفرطاً في أداء الواجب المنوط به. إن هذا التقسيم يوضح أن العذر بالجهل ليس شيكاً على بياض يمنح لكل أحد، بل هو "رخصة شرعية" تتقدر بقدر العجز والتمكن، وتراعي تفاوت مدارك الناس وقوة وضعف البلاغ في أزمنة الفترات واندراس السنن.

## المدرسة الحدادية: جذور الغلو ومنهجية التبديع

برز التوجه الحدادي، المنسوب إلى محمود الحداد، كظاهرة غالية في الفكر السلفي المعاصر، حيث تبنى رؤية تقوم على إلغاء الأعذار في مسائل الأصول، والتوسع المفرط في التبديع والتكفير. إن المنهج الحدادي لا يكتفي بنفي العذر بالجهل، بل يمتد ليشمل الطعن في كبار أئمة الإسلام الذين قرروا قواعد العذر أو تأولوا في بعض مسائل الصفات، مثل الحافظ ابن حجر والنووي، وحتى ابن تيمية نفسه لم يسلم من نقد رؤوس هذه المدرسة بزعم ممالأته للمبتدعة.

### سمات الفكر الحدادي في التعامل مع المخالف

تتميز الحدادية بعدة سمات تجعلها مفارقة لمنهج أهل السنة والجماعة، ومن أبرزها امتحان الناس بالأعيان، حيث يجعلون الولاء والبراء معلقاً بالموقف من شخص معين، فمن لم يبدع من بدعوه، فهو مبتدع مثله. كما يميلون إلى نفي العذر بالجهل في المسائل الظاهرة بإطلاق، ويرون أن التوحيد فطري لا يحتاج إلى بيان، وأن كل من تلبس بالشرك فهو كافر عيناً دون نظر في الشروط والموانع. تميز محمود الحداد أيضاً بطعنه في علماء معاصرين ومتقدمين، ومطالبته بحرق كتب أئمة كبار بدعوى احتوائها على البدع، وهو مسلك يهدف إلى قطع الأمة عن جذورها العلمية. وقد وصف بعض العلماء طريقة الحداد بأنها تشبه طرق الفرق الباطنية في التقوقع والسرية واستخدام التقية في إظهار الأفكار. إن هذه المدرسة تمثل "عقيدة اعتزال" في ثوب جديد، حيث يرجعون التحسين والتقبيح في مسائل التوحيد إلى العقل أو الفطرة دون الحاجة إلى الشرع.

## جدلية التحصيل والتعقيد بين المتقدمين والمتأخرين

يشير مصطلح "التحصيل" في سياق البحث العقدي إلى المنهج الأصيل الذي سلكه المتقدمون من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، وهو منهج يتسم بالوضوح والاعتماد المباشر على النص. أما "التعقيد"، فهو ما طرأ في عصور المتأخرين من إغراق في التفريعات الكلامية، والاصطلاحات المنطقية، ومحاولة ضبط المسائل بضوابط ذهنية قد لا تسعفها النصوص، مما أدى إلى نوع من الاضطراب في تحرير مذهب السلف.

### منهج المتقدمين: الوضوح والاستقامة

كان المتقدمون يقررون التوحيد بصفته حقيقة عظمى، ولكنهم لم يكونوا يسارعون إلى تكفير من وقع في خلل عن جهل. الإمام الشافعي، على سبيل المثال، صرح بأن الله له أسماء وصفات لا يسع أحداً جحدها، ولكن لا يكفر بالجهل بها إلا بعد بلوغ الخبر. وكذلك الإمام أحمد الذي منع من الخوض في كلام أهل البدع، ولكنه في تطبيقه العملي كان يعذر من تأول أو جهل ما لم يعاند الحق. إن منهج المتقدمين كان يركز على سبر المتون وفهم دلالات النصوص في سياقاتها، دون تكلف القياسات العقدية المعقدة.

### المتأخرون وإشكالية البنية الاستدلالية

في عصور المتأخرين، وبسبب انتشار الفرق الكلامية، حاول بعض الباحثين "تعقيد" المسائل لضبطها. ظهرت تقسيمات للمسائل إلى "أصول وفروع"، أو "ظاهرة وخفية"، وبينما كان هذا التقسيم يهدف إلى التوضيح، إلا أنه أدى عند البعض إلى نتائج عكسية. ويعد كتاب "إشكالية الإعذار بالجهل في البحث العقدي" لسلطان العميري محاولة معاصرة لتحرير هذا النزاع، حيث سعى لنقض "التعقيدات" التي أحدثها المانعون من الإعذار، مبيناً أنهم اعتمدوا على أصول منهجية خمسة، منها القول بالحد الأدنى لثبوت وصف الإسلام، والتسوية بين الكافر الأصلي والمسلم الواقع في الشرك.

## التحقيق في مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وأئمة الدعوة

يعد ابن تيمية الشخصية المركزية التي يحاول كل فريق استقطاب كلامها لصالحه. إن تتبع نصوص شيخ الإسلام يكشف عن منهج متسق في الإعذار بالجهل والتأويل، يشمل المسائل الخبرية (العقدية) والعملية على حد سواء.

قرر ابن تيمية أن التكفير لا يثبت في حق المعين إلا إذا علم أن الرسول جاء بذلك ثم عانده. ومن أشهر مواقفه قوله لأكابر الجهمية الذين يقولون بأقوال كفرية: "لو وافقتكم لكنت كافراً، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال". وهذا يوضح الفرق الدقيق بين كفر المقالة وكفر القائل. كما حرر أئمة الدعوة النجدية هذه المسألة بما يوافق منهج السلف؛ فرغم شدة إنكارهم للشرك، إلا أنهم تورعوا عن تكفير من لم تبلغه الدعوة أو من كان في بيئة يغلب فيها الجهل. وتؤكد الوثائق التاريخية أنهم لم يكفروا من استغاث بالقبور إلا بعد البيان وإزالة الشبهة، معتبرين أن الجهل مانع من موانع الحكم.

## الأبعاد المعاصرة والجدل حول نتاج سلطان العميري

أحدثت دراسة الدكتور سلطان العميري "إشكالية الإعذار بالجهل" هزّة في الوسط العلمي، لكونها ناقشت المسألة بأدوات نقدية معاصرة، محاولةً تفكيك الخطاب المانع من الإعذار.

يرى العميري أن الذين منعوا من الإعذار بالجهل في مسائل الشرك وقعوا في أخطاء منهجية، منها الاعتماد على "المقتضيات القدرية" لبناء أحكام شرعية، وهو خلط بين الإرادة الكونية والشرعية. كما نقد اعتمادهم على قاعدة "الحكم للظاهر" في غير موضعها، مبيناً أن الظاهر هنا متعارض، وفي حال التعارض يُقدم الأصل وهو الإسلام. واجه العميري انتقادات من بعض الهيئات العلمية التي رأت في كتابه "تكلفاً في الاستدلال" واستخداماً لنصوص مشكلة لتقرير قضايا كبرى. ومع ذلك، فإن العميري في طبعته الثانية أجاب عن هذه الاستشكالات، موضحاً أن العذر بالجهل هو مقتضى نصوص الكتاب والسنة وما أجمع عليه الأئمة في الجملة.

## فقه الواقع: متى يزول العذر؟ وضوابط التمكن

إن القول بالعذر بالجهل لا يعني إقرار الناس على ضلالهم، بل هو حكم يراعي "العجز المعرفي". وبناءً عليه، وضع العلماء ضوابط دقيقة لزوال هذا العذر، ترتبط بمفهوم "التمكن من العلم". وتتمثل هذه الضوابط في بلوغ الحجة، وفهم الخطاب، وإمكانية الوصول للعلم، والقدرة على الرحلة والطلب. فالعذر ليس عذراً لكل مدعٍ للجهل، بل هو لمن لم يطرأ على باله أن هذا الفعل محرم، وليس عنده من ينبهه. أما المعاند، والمستكبر، والمعرض الذي يصد عن مجالس العلم، فهذا ليس من أهل العذر في شيء.

## المراجع (بصياغة شيكاغو)

أبابطين، عبد الله. *العذر بالجهل*. نسخة إلكترونية، مكتبة عين الجامعة.

ابن تيمية، تقي الدين أحمد. *مجموع الفتاوى*. جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

الراشد، أبو العلا بن راشد. *عارض الجهل وأثره على أحكام الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة*. تقديم صالح الفوزان. الرياض: مكتبة الرشد، 2008.

العميري، سلطان بن عبد الرحمن. *إشكالية الإعذار بالجهل في البحث العقدي: الاتجاهات، البنية الاستدلالية، الأصول المنهجية*. ط4. الرياض: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2020.

العثيمين، محمد بن صالح. *مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين*. جمع وترتيب فهد بن ناصر السليمان. الرياض: دار الثريا.

مختار، محمد بن عبد الله. *مسألة العذر بالجهل في مسائل العقيدة: دراسة نظرية تأصيلية*. بحوث في العقيدة. نسخة إلكترونية، مكتبة عين الجامعة.

معاش، عبد الرزاق طاهر أحمد. *الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه*. تقديم عبد الرحمن البراك. الرياض: دار الوطن.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

# منهجية التكبير الفردي والجماعي في الفقه الإسلامي: دراسة تحليلية مقارنة للأدلة والأقوال والعلل الحديثية ## تأصيل صفة التكبير الفردي في الشعيرة الإسلامية

# فقه دار الهجرة: دراسة تحليلية في الأصول المنهجية والتطبيقات العملية للمذهب المالكي ## المدخل المنهجي والأصولي للمذهب المالكي

# وجوب تأخير الأضحية عن صلاة العيد وحكم ذبحها قبل الإمام