# جدلية العلم والبغي في الفكر القرآني: دراسة تفسيرية وإعرابية مقارنة لآية آل عمران ## توطئة معرفية: كيف يكون العلم مصدراً للاختلاف؟


يمثل الجهل في السياقات الفكرية والاجتماعية الطبيعية البيئة الخصبة لولادة النزاعات وتشتت الآراء؛ إذ يؤدي غياب المعيار المعرفي الواضح إلى تضارب الفهوم وتعدد السبل وتذبذب الغايات. غير أن النص القرآني الكريم يقدم استثناءً كاشفاً يقلب هذا المفهوم الظاهري في قوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}. (الشنقيطي 1995) وتبرز هنا إشكالية معرفية عميقة: كيف يتحول العلم -الذي هو في أصله أداة البيان والهدى وباعث الائتلاف والاجتماع- إلى سبب مباشر للاختلاف والتفرق؟

إن تفكيك هذه الإشكالية يقتضي التمييز الدقيق بين نوعين من الاختلاف: الاختلاف الناشئ عن قصور في التصور المعرفي (وهو اختلاف الجهل)، والاختلاف الناشئ عن فساد في الإرادة النفسية والأخلاقية (وهو اختلاف البغي). (ابن كثير 1999) فعندما يكون منشأ الاختلاف جهلاً بالحقائق، فإن مجيء العلم كفيل بإنهاء النزاع ورأب الصدع؛ لأن العقول السليمة تذعن للبرهان فور ظهوره. أما عندما يقع الاختلاف بعد قيام الحجة واستقرار العلم، فإن العلة تنزاح بالكلية من الحيز الإدراكي المعرفي إلى الحيز الأخلاقي السلوكي. (السعدي 2000؛ ابن كثير 1999)

في هذا المقام الشريف، لم يكن العلم مجرد محفز ميكانيكي للخلاف، بل كان الحد الفاصل الذي جرد المختلفين من الأعذار، وحول تفرقهم من خانة "الخطأ المعرفي" المعذور إلى خانة "التمرد الأخلاقي" المقصود. (الشنقيطي 1995؛ ابن كثير 1999) لقد جاءهم العلم مبيناً للتوجيهات الإلهية، محدداً لصفات الرسول الخاتم، وقاطعاً للشبهات. (ابن كثير 1999؛ الشنقيطي 1995) غير أن هذا العلم اصطدم بنفوس لم تتربَّ على التجرد للحق؛ فنشأ الاختلاف بدافع "البغي" الذي يعبر عن الحسد، والطلب المحموم للدنيا، والحرص على صيانة المكتسبات المادية والاجتماعية وحماية الرياسة. (الشنقيطي 1995؛ ابن كثير 1999) وبذلك، تحول العلم في أيدي هؤلاء من نور يُهتدى به إلى أداة تُوظف لشرعنة الانقسام وتكريس الخصومة وتعبئة الأتباع ضد الحق الصريح. (الشنقيطي 1995)

## تفكيك آراء أئمة التفسير في التلازم بين العلم والبغي

تعددت مقاربات المفسرين في سبر أغوار هذا التلازم العجيب بين حصول العلم ووقوع الاختلاف، حيث ركز كل منهم على أبعاد تعزز الفهم الكلي للآية الشريفة.

### رؤية الإمام الحافظ ابن كثير: قيام الحجة وسقوط الأعذار

ينطلق الحافظ ابن كثير في تفسيره من منهج تقريري يربط بين وضوح الدلائل الإلهية وبين تعنت المعارضين. (ابن كثير 1999؛ القرطبي 1964) ويرى أن الله سبحانه وتعالى قد أوضح الحقائق وأزال الشبهات بإرسال الرسل وإنزال الكتب، بحيث لم يبقَ لأحد عذر في مجافاة الصواب. (الشنقيطي 1995؛ ابن كثير 1999) وبناءً على ذلك، فإن اختلاف أهل الكتاب وتفرقهم شيعاً وأحزاباً لم يكن لقصور في البيان الإلهي، وإنما كان بغياً وعناداً على علم وتصميم. (الشنقيطي 1995؛ ابن كثير 1999)

ويشير ابن كثير إلى أن العلم الذي جاءهم وعاملوه بالخلاف هو معرفتهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته المكتوب في كتبهم، أو علمهم بحقيقة التوحيد وتفرد الألوهية. (ابن كثير 1999؛ الطبري 2000) لقد اختار هؤلاء الاختلاف طلباً لحطام الدنيا ومكاسبها الفانية، فجاء التعقيب الإلهي الصارم والمهدد: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}؛ ليعلن أن هذا الصنف من الاختلاف العمدي الناشئ عن كبر وتجريد العلم من غايته الأخلاقية هو كفر عملي يستوجب سرعة العقاب والحساب. (الطبري 2000؛ القرطبي 1964)

### رؤية الشيخ عبد الرحمن السعدي: المعرفة اليقينية ودور أمراض القلوب

يتناول الشيخ عبد الرحمن السعدي النص ببعد تربوي ونفسي عميق، موضحاً أن هؤلاء المختلفين قد حصّلوا العلم اليقيني وعقدوا المعرفة التامة بصحة الإسلام وبصدق الرسول عليه الصلاة والسلام. (السعدي 2000) لذا، فإن تفرقهم لم يكن ناتجاً عن شبهة عرضية أو التباس في المفاهيم. (السعدي 2000)

ويؤكد السعدي أن المحرك الأساسي لهذا السلوك المنحرف هو داء "الحسد والبغي"؛ إذ ضاقت نفوسهم عن قبول الحق المتمثل في الرسالة الختامية، وصعب عليهم الانقياد لشريعة تسوي بين الناس وتقضي على امتيازاتهم النخبوية. (السعدي 2000؛ القرطبي 1964) ويرى السعدي في هذه الآية تحذيراً بليغاً للأمة الإسلامية من سلوك مسلك هؤلاء؛ لأن من عرف الحق ثم رفضه وآثر الباطل عليه يعاقبه الله بالانتكاس وانقلاب القلب، ويُسلب بركة العلم ليبقى حجة عليه ووبالاً. (الشنقيطي 1995؛ السعدي 2000)

### رؤية الإمام محمد الأمين الشنقيطي: التفسير الموضوعي وتسلية الرسول

يتميز الإمام محمد الأمين الشنقيطي في مؤلفه "أضواء البيان" بمنهجه القائم على تفسير القرآن بالقرآن. (الشنقيطي 1995) ويربط هذه الآية بنظائرها في كتاب الله كقوله تعالى في سورة الشورى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} (الشنقيطي 1995؛ الطبري 2000)، وقوله في سورة البينة: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}. (الشنقيطي 1995؛ القرطبي 1964)

ويقرر الشنقيطي أن في هذا السياق تسلية واضحة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ وتخفيفاً لما يجد في نفسه من حزن وأسف على إعراضهم وتفرقهم. (الشنقيطي 1995) فالنص القرآني يكشف له أن امتناعهم عن الإيمان ليس لقصور في الحجج والبينات التي جاء بها، بل هو طبع قديم جبلت عليه نفوسهم ونفوس أسلافهم الذين تفرقوا في عبادة العجل وغيرها من الأمور بمجرد مجيء البينات. (الشنقيطي 1995؛ القرطبي 1964) ويخلص الشنقيطي إلى رؤية أصولية مفادها أن العلم بلا تزكية نفسية يتحول إلى وقود للخصومة والتنافس المذموم؛ حيث وظف أهل الكتاب معارفهم وقدراتهم المعرفية ليس لخدمة التوحيد والائتلاف، بل لإيقاد نيران البغي والتشتت. (الشنقيطي 1995)

### تحليل مقارن لمذاهب المفسرين الثلاثة حول الآية

يمكن إجمال المقارنة المنهجية والأبعاد التفسيرية بين المفسرين الثلاثة في النقاط التالية:

 * **البعد المنهجي والمدخل التحليلي**: سلك الحافظ ابن كثير مسلكاً أثرياً عقدياً يهتم بحسم مواطن النزاع العقدي وإقامة الحجة على المخالفين (ابن كثير 1999). في حين تميز الشيخ السعدي بمدخل نفسي وتربوي يركز على تزكية القلوب وبيان أثر الأمراض النفسية في توجيه السلوك المعرفي (السعدي 2000). بينما تفرد الإمام الشنقيطي بالمنهج الموضوعي القائم على استقراء النظائر القرآنية وتقصي مواطن ورود الاختلاف والبغي في القرآن الكريم (الشنقيطي 1995).

 * **تحديد ماهية دلالة "العلم"**: يرى ابن كثير أن العلم هو الدلائل الإلهية الواضحة والحجج القاطعة التي أزالت كل شبهة (ابن كثير 1999). بينما يؤكد السعدي أن العلم يشير إلى المعرفة اليقينية المستقرة في نفوس أهل الكتاب بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصحة الإسلام (السعدي 2000). في حين يوجه الشنقيطي دلالة العلم إلى البينات المكتوبة والنعوت المحددة والواضحة للرسول الخاتم في كتبهم السابقة (الشنقيطي 1995).

 * **تشخيص علة "البغي"**: يُرجع ابن كثير دافع البغي إلى العناد، والحسد المتبادل، والطلب الحثيث للملك، والمنافسة الدنيوية الشرسة (ابن كثير 1999). ويرى السعدي أن البغي ينبع من الكبر النفسي والامتناع العمدي عن الانقياد للحق صيانة للأغراض النفسية وحب الدنيا (السعدي 2000). بينما يركز الشنقيطي على الجانب العملي المتمثل في توظيف الآليات العلمية لتكريس النزاع وتثبيت الرياسة المعرفية والاجتماعية (الشنقيطي 1995).

 * **المقصد الدلالي والتربوي العام**: يرمي سياق ابن كثير إلى التهديد بالوعيد الإلهي الصارم وبيان عاقبة الكفر العملي وسرعة الحساب (ابن كثير 1999). بينما يركز السعدي على توبيخ المعاندين وتحذير الأمة الإسلامية من الوقوع في فخ الانتكاس المعرفي بعد قيام الحجة (السعدي 2000). ويذهب الشنقيطي إلى إبراز مقصد تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتوضيح الجذور التاريخية والاجتماعية لإعراض الأمم السابقة (الشنقيطي 1995).

## الإعراب التفصيلي للآية الكريمة وأثره في توجيه المعنى

إن الوقوف على البنية النحوية للآية يمثل ركيزة أساسية لفهم حركية المعنى وتوجيهه؛ إذ يظهر الإعراب كيف تترابط الكلمات لتصنع المشهد التوبيخي والتقريري في النص الشريف. (العكبري د.ت.؛ الخراط 1986) وتجدر الإشارة إلى تصويب رسم الآية الكريمة مقارنة ببعض الأقوال المروية قراءة وكتابة؛ فالنص المحكم المتواتر هو: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}. (العكبري د.ت.؛ الخراط 1986)

### الإعراب التفصيلي لمفردات الآية الكريمة وتوجيهها الدلالي

 * **﴿وَ﴾**: حرف عطف مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، ووظيفته البلاغية ربط الجملة بما قبلها لتقرير انحصار الدين المقبول عند الله في الإسلام.

 * **﴿مَا﴾**: حرف نفي مبني على السكون لا محل له من الإعراب، يفيد النفي الكلي لحدوث الاختلاف في غير الموضع المذكور بعد أداة الحصر.

 * **﴿اخْتَلَفَ﴾**: فعل ماضٍ مبني على الفتح الظاهر على آخره، وهو المسند الرئيس في الجملة الدال على وقوع التنازع والتفرق تاريخياً وعملياً.

 * **﴿الَّذِينَ﴾**: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل للفعل (اخْتَلَفَ)، لتعيين الذوات التي صدر منها هذا الانقسام بصورة واضحة.

 * **﴿أُوتُوا﴾**: فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الضم المقدر على الياء المحذوفة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل (وهو المفعول الأول في الأصل)، والبناء للمجهول يشير إلى المانح وهو الله سبحانه وتعالى.

 * **﴿الْكِتَابَ﴾**: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وتخصيص إيتاء الكتاب يسجل عليهم قبح الاختلاف؛ إذ كان الكتاب حرياً بأن يكون عاصماً لهم من الفرقة.

 * **﴿إِلَّا﴾**: أداة حصر ملغاة مبنية على السكون لا محل لها من الإعراب، تفيد قصر الاختلاف وحصره في زمان ما بعد مجيء العلم وباعث البغي.

 * **﴿مِنْ﴾**: حرف جر مبني على السكون لا محل له من الإعراب.

 * **﴿بَعْدِ﴾**: اسم ظرفي مجرور بـ (من) وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره وهو مضاف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (اخْتَلَفَ)، لتأكيد البعدية الزمنية والمنطقية وتجريدهم من الأعذار.

 * **﴿مَا﴾**: حرف مصدري مبني على السكون لا محل له من الإعراب.

 * **﴿جَاءَهُمُ﴾**: جاء: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به مقدم، والمجيء يدل على وصول العلم إليهم وتيسيره لهم دون كلفة.

 * **﴿الْعِلْمُ﴾**: فاعل مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، والمصدر المؤول من (ما) المصدرية والفعل (جاءهم العلم) في محل جر مضاف إليه لاسم الظرف (بعد).

 * **﴿بَغْيًا﴾**: مفعول لأجله منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وهو الكاشف للعلة الغائية الدافعة لصناعة الاختلاف من حسد وظلم.

 * **﴿بَيْنَهُمْ﴾**: ظرف مكان منصوب وعلامة نصبه الفتحة وهو مضاف، والهاء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه، والظرف متعلق بـ (بغياً)، مما يحصر البغي في دائرتهم الخاصة وينفي التهمة عن المنهج المعرفي الإلهي.

### إعراب الجمل ودلالات الموقع النحوي

إن تحديد المواقع الإعرابية للجمل يساهم في الكشف عن التماسك التركيبي للنص القرآني:

 * **جملة {وَمَا اخْتَلَفَ...}**: جملة مستأنفة (أو معطوفة على الاستئنافية السابقة {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}) لا محل لها من الإعراب. (العكبري د.ت.) وهذا الارتباط النحوي يوضح أن التفرق عن الإسلام كدين جامع لم يكن مبرراً بل كان خروجاً عما تقتضيه بنية التوحيد. (ابن كثير 1999؛ العكبري د.ت.)

 * **جملة {أُوتُوا الْكِتَابَ}**: لا محل لها من الإعراب لأنها جملة صلة الموصول لاسم الإشارة (الَّذِينَ). (العكبري د.ت.) وتأتي الصلة لتسجيل الوصف الملازم لهم؛ وهو حملهم للكتاب الذي كان يجب أن يكون عاصماً لهم من الاختلاف. (ابن كثير 1999؛ العكبري د.ت.)

 * **جملة {جَاءَهُمُ الْعِلْمُ}**: لا محل لها من الإعراب صلة الموصول الحرفي (مَا المصدرية). (العكبري د.ت.)

### الأوجه الإعرابية لـ (بَغْيًا) وأثره المعرفي

تتجلى مرونة النحو القرآني وإعجازه في تعدد الوجوه الإعرابية للفظة {بَغْيًا}، حيث يفتح كل وجه نافذة جديدة لتأمل البعد النفسي لظاهرة الاختلاف المعرفي:

 1. **المفعول لأجله**: وهو الوجه الأرجح والأكثر قبولاً عند النحاة والمفسرين. (العكبري د.ت.) ويعني أن "البغي" كان هو الغاية والمبعث الكامن وراء صناعة الاختلاف. (ابن كثير 1999؛ العكبري د.ت.) وفي هذا تجريد كامل لأهل الكتاب من أي دافع علمي أو موضوعي لتفرقهم، بل كان الحافز محض رغبة في العدوان والظلم والتحاسد. (الشنقيطي 1995؛ السعدي 2000)

 2. **الحال**: أي اختلفوا في حال كونهم باغين ومتجاوزين للحد. (الشنقيطي 1995؛ ابن كثير 1999) وهذا يصف الهيئة النفسية والوجودية التي تلبسوا بها أثناء تفرقهم؛ إذ لم يكن الاختلاف عارضاً، بل كان سلوكاً منهجياً مصاحباً لحياتهم وعلاقاتهم البينية. (الشنقيطي 1995)

 3. **المفعول المطلق النائب عن المصدر**: وهو مذهب الزجاج الذي يرى أن {بَغْيًا} منصوب بفعل مقدر من جنس المعنى (أي: يبغون بغياً)، لأن الاختلاف في هذا السياق يرادف البغي والظلم. (ابن كثير 1999) وهذا الوجه يوحد دلالياً بين فعل الاختلاف وفعل البغي، فيجعل الاختلاف بعد العلم هو عين البغي والظلم في ميزان الحق. (ابن كثير 1999)

## أبعاد تربوية واجتماعية: مأسسة الاختلاف وانحراف الإرادة

تتجاوز الآية الكريمة حدود التوصيف التاريخي لأحوال اليهود والنصارى لتقدم قانوناً معرفياً واجتماعياً عاماً يحذر المجتمعات الإنسانية -ولا سيما الأمة الإسلامية- من مغبة تكرار هذا السلوك المنحرف. (الشنقيطي 1995؛ الطبري 2000)

### خطر العلم المجرد عن التزكية

يكشف النص القرآني أن العلم بمفرده، وبمعزل عن التدريب الأخلاقي وتطهير النفوس (التزكية)، لا يضمن الهداية والائتلاف. (الشنقيطي 1995؛ السعدي 2000) بل على العكس من ذلك؛ فإن العلم غير المزكى يوفر للمختلفين الأدوات المعرفية والمنهجية اللازمة لتشييد جدران الفرقة والمذهبية. (الشنقيطي 1995) إن الجاهل يختلف بعشوائية ويسهل كشف خطئه، أما العالم المنحرف فإنه يوظف طاقته الفكرية ومصطلحاته لشرعنة البغي وتبرير الانقسام وإضفاء صبغة "القداسة" على معاركه الطائفية؛ طلباً للدنيا أو حفاظاً على مكتسبات طبقته المعرفية أو الاجتماعية. (الشنقيطي 1995؛ القرطبي 1964)

### الانحراف من الفكر إلى الإرادة

عندما تنتقل المشكلة من حيز "ضعف الإدراك" إلى حيز "فساد الإرادة"، يفقد الحوار العلمي وظيفته العلاجية. (السعدي 2000؛ ابن كثير 1999) فالمختلفون لم ينقصهم الدليل، إذ قامت عليهم الحجج الواضحة {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ}. (ابن كثير 1999) وبناءً عليه، فإن أي محاولة لعلاج الخلاف الفكري من خلال زيادة ضخ المعلومات أو تبسيط الأدلة ستبوء بالفشل إذا لم تُعالج أولاً أمراض النفوس المتمثلة في الكبر، والحسد، وحب الرياسة. (الشنقيطي 1995؛ السعدي 2000) فالعلة الحقيقية تكمن في البغي الكامن في الصدور، والشفاء منه يتطلب تفعيل المسؤولية الأخلاقية والتقوى والتجرد التام لمعرفة الحق واتباعه. (الشنقيطي 1995؛ السعدي 2000)

## المصادر والمراجع

ابن كثير، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر. 1999. *تفسير القرآن العظيم*. تحقيق سامي بن محمد السلامة. الطبعة الثانية. الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع.

الخراط، أحمد محمد. 1986. *مشكل إعراب القرآن الكريم*. الطبعة الأولى. دمشق: دار المأمون للتراث.

السعدي، عبد الرحمن بن ناصر. 2000. *تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان*. تحقيق عبد الرحمن بن معلا اللويحق. الطبعة الأولى. بيروت: مؤسسة الرسالة.

الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار. 1995. *أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن*. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير. 2000. *جامع البيان عن تأويل آي القرآن*. تحقيق أحمد محمد شاكر. الطبعة الأولى. بيروت: مؤسسة الرسالة.

العكبري، أبو البقاء محب الدين عبد الله بن الحسين. د.ت. *التبيان في إعراب القرآن*. تحقيق علي محمد البجاوي. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية.

القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري. 1964. *الجامع لأحكام القرآن*. تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش. الطبعة الثانية. القاهرة: دار الكتب المصرية.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

# منهجية التكبير الفردي والجماعي في الفقه الإسلامي: دراسة تحليلية مقارنة للأدلة والأقوال والعلل الحديثية ## تأصيل صفة التكبير الفردي في الشعيرة الإسلامية

# فقه دار الهجرة: دراسة تحليلية في الأصول المنهجية والتطبيقات العملية للمذهب المالكي ## المدخل المنهجي والأصولي للمذهب المالكي

# وجوب تأخير الأضحية عن صلاة العيد وحكم ذبحها قبل الإمام