# رمي الجمرات في المساء في ضوء المستجدات المعاصرة: دراسة تأصيلية تطبيقية مقاصدية


تعتبر شعيرة رمي الجمرات من المناسك الركينة في الحج، وتتجلى فيها معاني التعبد والانقياد لله تعالى، ومحاكاة رمزية لمقاومة الغواية الشيطانية. ومع تزايد أعداد الحجاج في العصر الحديث بشكل مطرد، وتصاعد الكثافة الديموغرافية في مشعر منى الذي يتميز بحدوده الجغرافية الضيقة والجامدة، برزت تحديات تنظيمية وأمنية جسيمة هددت سلامة الحجاج وأدت في مواسم سابقة إلى حوادث تدافع مفجعة ذهب ضحيتها آلاف المسلمين.

أمام هذه التحديات المعاصرة، تداعى علماء الشريعة والمجامع الفقهية المعاصرة لإعادة دراسة المواقيت الزمانية لرمي الجمار، مسترشدين بنصوص الوحيين وآثار السلف الصالح، وموازنين بين الالتزام بالهيئات والظواهر التعبدية وبين المقاصد الكلية الكبرى للشريعة الإسلامية، وعلى رأسها حفظ النفس الإنسانية ورفع الحرج والتيسير. وتأتي هذه الدراسة لتؤصل وتفصل هذه المسألة عبر تتبع فقه المذاهب الأربعة واختيارات كبار المحققين، مع تخريج الأسانيد والرجال والوقوف على المستجدات المقاصدية والتطبيقية المعاصرة.

## المبحث الأول: مواقيت الرمي عند الأئمة الأربعة والتكييف الفقهي للرمي ليلاً

اختلفت منازع أئمة المذاهب الأربعة في تحديد البداية والنهاية الشرعية لوقت الرمي، سواء في يوم النحر (العاشر من ذي الحجة) أو في أيام التشريق الثلاثة، تتبعاً لما صح لديهم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ورخصهم وآثارهم.

### المذهب الحنفي

يرى السادة الحنفية أن وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر يبدأ شرعاً من طلوع الفجر، خلافاً للشافعية والحنابلة الذين أجازوه من منتصف الليل. أما أيام التشريق، فإن الرمي لا يجوز عندهم قبل زوال الشمس. وبالانتقال إلى مسألة الرمي ليلاً، يقرر الإمام أبو حنيفة أن من أخر الرمي نهاراً حتى دخل الليل في أي يوم من أيام الرمي، فإنه يشرع له الرمي ليلاً أداءً ولا تترتب عليه فدية أو دم، وإنما يكره له ذلك كراهية تنزيهية لكونه خلاف السنة المستحبة.

بيد أن الخلاف يظهر لديه إذا انشق الفجر من اليوم التالي ولم يرمِ؛ حيث يسقط الرمي أداءً ويتحول إلى القضاء ويلزمه حينئذ دم (شاة) لجبر هذا الفوات. وخالفه صاحبا أبو حنيفة (أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني)، حيث ذهبا إلى جواز تأخير الرمي إلى الغد أو الليل بلا ترتب دم، تيسيراً وتنزلاً مع رخصة الشارع للرعاة.

### المذهب المالكي

يذهب السادة المالكية إلى أن وقت رمي جمرة العقبة يبدأ كذلك من طلوع الفجر يوم النحر، ويستحب فعله بعد طلوع الشمس. وفي أيام التشريق، يلتزم المالكية بابتداء الرمي بعد الزوال. أما الرمي ليلاً، فيفترق المالكية عن سائر المذاهب بمنهج أكثر تشدداً؛ إذ يقررون أن الليل ليس وقتاً اختيارياً للرمي بأي حال من الأحوال، بل هو وقت قضاء للفائت من النهار.

وبناءً على ذلك، فإن الحاج إذا رمى ليلاً أجزأه رميه وصح، ولكن يجب عليه إراقة دم (شاة) لكونه فوت الوقت الاختياري الممتد من الزوال إلى الغروب. ويستند الإمام مالك في ذلك إلى القاعدة الأثرية المروية عن ابن عباس التي توجب الدم على من ترك نسكاً أو جهله.

### المذهب الشافعي

يتسم المذهب الشافعي بمرونة بالغة في تكييف المواقيت؛ حيث يقرر الإمام الشافعي أن وقت رمي جمرة العقبة يدخل بنصف ليلة النحر للقادر والعاجز على حد سواء، استناداً إلى ثبوت دفع أم سلمة والضعفة من مزدلفة بليل. أما في أيام التشريق، فيبدأ الرمي بعد الزوال.

وفيما يتعلق بالرمي ليلاً، يرى الشافعية في الأصح من أقوالهم أن الرمي ليلاً جائز وصحيح بلا كراهة ولا دم؛ لأن الليل يتبع النهار السابق عليه في الرمي، والوقت عندهم ممتد إلى فجر اليوم التالي. ويسوغ عند الشافعية أيضاً تأخير رمي الأيام كلها إلى اليوم الأخير من أيام التشريق (اليوم الثالث عشر) ويرميها مرتبة، ويكون رميه أداءً لا قضاءً ولا شيء عليه، وهو ما يمثل رخصة عظيمة ترفع الحرج عن الحجاج.

### المذهب الحنبلي

يرى السادة الحنابلة أن للرمي وقتين: وقت فضيلة ويبدأ من طلوع الشمس يوم النحر، ووقت جواز يبدأ من منتصف ليلة النحر للضعفة والنساء ومن في حكمهم كالقائمين على رعايتهم. أما في أيام التشريق، فيبدأ الرمي بعد الزوال.

وفيما يتعلق بالرمي ليلاً، يمنع المذهب المشهور عند الحنابلة الرمي ليلاً للقادر الصحيح، ويرون أنه إذا غابت الشمس ولم يرمِ، فإنه يؤخر الرمي إلى اليوم التالي بعد زوال الشمس، ولا يجوز فعله بالليل. ومع ذلك، فإن محققي الحنابلة رخصوا لذوي الأعذار والمرضى بالرمي ليلاً قياساً على الرعاة، بل ذهب بعض متأخري الحنابلة إلى جواز الرمي ليلاً للقادر عند الخوف على النفس أو فوات الرفقة.

## المبحث الثاني: اختيارات أئمة التحقيق ومدرستهم الأصولية

تميزت اختيارات كبار محققي المدرسة السلفية الفقهية بالجمع بين النقد الحديثي للأسانيد وبين التأصيل الأصولي والموازنة المقاصدية، مما أضفى عمقاً تطبيقياً لمسألة رمي الجمرات في المساء.

### شيخ الإسلام ابن تيمية

أسس شيخ الإسلام ابن تيمية موقفه من الرمي من خلال قواعده الأصولية الصارمة؛ إذ ينقل عنه تلاميذه قاعدته الشهيرة في كتابه "شرح العمدة" ومفادها أن **"الفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر"**. وبناءً على هذه القاعدة، فإن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في رمي جمرة العقبة ضحى يوم النحر، ورمي جمار أيام التشريق بعد الزوال، جاء بياناً وتفسيراً لمجمل مناسك الحج المأمور بها، فيأخذ حكم الوجوب والالتزام تتبعاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم".

ولكن ابن تيمية لم يجمد على هذا المبدأ بل التفت إلى الرخص الشرعية الطارئة؛ فأجاز تعجيل الضعفة والنساء من مزدلفة بليل ورميهم لجمرة العقبة قبل طلوع الفجر تيسيراً عليهم. ومع التزامه بوجوب الرمي بعد الزوال في أيام التشريق، إلا أنه أصل لتوسيع أوقات الرمي عند تعذر الفعل نهاراً دفعاً للمشقة والضرر، وتنزلاً مع القواعد العامة في رفع الحرج عن المكلفين.

### الإمام ابن القيم

سلك الإمام ابن القيم مسلك شيخه ابن تيمية في استقراء الهدي النبوي من خلال مصنفه الحافل "زاد المعاد في هدي خير العباد". وقرر أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته المستقرة دلت على أن وقت الرمي المختار هو بعد زوال الشمس في أيام التشريق، وضحى يوم النحر.

وعند تحليله للآثار الواردة في التقديم بليل، يرى ابن القيم أن هذا الترخيص ليس عاماً لكل أحد، بل هو خاص بالمعذورين بمرض، أو كبر سن، أو ضعف يشق معه مزاحمة الناس ومدافعتهم. أما القادر الصحيح، فلا يجوز له التقديم أو الرمي في غير الأوقات النهارية الفاضلة. وبذلك يوازن ابن القيم بين التمسك بالهدي الأثري الراتب وبين فتح باب الرخصة تيسيراً على الضعفاء.

### الإمام الشوكاني

أفاد الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار" بأن الشريعة الإسلامية قرنت العبادات بالمواقيت ولكنها لم تغفل الفوارق الفردية والمشاق العارضة. ويقرر الشوكاني أن الأدلة والآثار بمجموعها تدل على أن الرمي بعد طلوع الشمس هو الواجب في حق من لا عذر له، بينما يسوغ للضعفة والنساء ومن في حكمهم الرمي قبل ذلك.

ويرى الشوكاني أن الترخيص النبوي لرعاء الإبل بالرمي ليلاً يوضح أن الوقت يتسع لكل ذي حاجة ومشقة، لكون علة الرخصة تدور مع دفع المشقة والحاجة وجوداً وعدماً. وبناءً عليه، فإن القياس يسوغ إلحاق عامة الحجاج المعرضين لمخاطر التدافع والزحام بالرعاة، بل هم أولى بالرخصة نظراً لخطورة الهلاك الطارئ.

### الإمام الصنعاني

استعرض الإمام الصنعاني في "سبل السلام" الأقوال الفقهية الأربعة في مواقيت الرمي، مبيناً الفروق الأصولية بينها. ويشير الصنعاني إلى أن تقسيم الحجاج إلى قادر وعاجز هو مسلك وسط تدعمه الأدلة؛ حيث يلزم القادر بالرمي نهاراً بعد الزوال، ويرخص للعاجز والضعيف بالرمي ليلاً أو بعد نصف الليل.

وينوه الصنعاني بأن علة رخصة الرعاة بالرمي ليلاً هي انشغالهم بمصالح الرعي نهاراً، وبما أن مصالح الحجيج اليوم في حفظ أنفسهم وتجنب المهالك تفوق مصلحة رعي الإبل، فإن الترخيص لهم بالرمي ليلاً مستقيم أصولاً ومقاصداً.

### الإمام الألباني

أحدث الإمام محمد ناصر الدين الألباني تحولاً فقهياً مهماً بتصحيحه المطلق لقول المجيزين بالرمي ليلاً دون حصر ذلك بالمرضى أو الضعفاء. واستند الألباني في ترجيحه إلى الحديث الصحيح المروي في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما حين سُئل النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال له السائل: "رميت بعدما أمسيت"، فقال: "لا حرج".

ويرى الألباني أن لفظ "المساء" لغةً يعقب الزوال ويمتد ليشمل الليل كله، والشارع الحكيم لم يحدد حداً فاصلاً للنهي، مما يجعل الليل وقتاً صحيحاً للرمي أداءً وبلا حرج. كما صحح الألباني الأحاديث الواردة في رخص الرعاة والبيتوتة خارج منى والرمي ليلاً، معتبراً إياها شواهد قوية تدل على سعة وقت الرمي ومرونته.

## المبحث الثالث: التخريج الأثري ودراسة أسانيد الرجال وجرحهم وتعديلهم

تنبني دراسة الأسانيد والرجال في هذه المسألة على تتبع علل الأحاديث الواردة في الرمي ليلاً ورخص الرعاة، لتمييز المقبول منها من المردود وفق قواعد المحدثين.

### أولاً: حديث ابن عباس في نفي الحرج عن الرمي مساءً

 * **التخريج والمسند:** أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (رقم 1723، 1735).

 * **السند ورجاله:** يرويه البخاري عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

 * **دراسة السند والرجال:**

   * *محمد بن المثنى:* هو أبو موسى الزمن، ثقة ثبت من رجال الجماعة.

   * *عبد الأعلى:* هو ابن عبد الأعلى البصري، ثقة من رجال الجماعة.

   * *خالد الحذاء:* هو خالد بن مهران البصري، ثقة يرسل ويدلس أحياناً ولكنه حجة.

   * *عكرمة:* مولى ابن عباس، ثقة ثبت عالم بالتفسير والمغازي، احتج به البخاري والجمهور.

 * **الحكم الحديثي:** السند صحيح في أعلى درجات الصحة.

 * **التوجيه اللغوي لـ "المساء":** وقع النزاع في لفظ "أمسيت"؛ فذهب المانعون (كابن عمر في رواية، والحنابلة) إلى أن المساء يبدأ من زوال الشمس إلى الغروب، محتجين بآثار القاسم بن محمد أنهم كانوا يصلون الظهر "بعشي". بينما برهن المحققون لغوياً أن الليل والمساء يشتركان في زوال الضوء، واليوم الشرعي ينتهي بالغروب، فدخول الليل هو حقيقة المساء لغة وعرفاً، والحديث مطلق يرفع الحرج عمن رمى بالليل.

### ثانياً: حديث "الراعي يرمي بالليل، ويرعى بالنهار"

يروى هذا الحديث من عدة طرق تفصيلية تباينت أحوال رجالها سنداً ومتناً :

#### الطريق الأول (الموصول الضعيف جداً):

أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/415)، وابن عدي في "الكامل" (5/8)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (5/151) من طريق ابن وهب، قال أخبرني عمر بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس مرفوعاً.

 * **دراسة الرجال:** مدار هذا الطريق على **عمر بن قيس** الملقب بـ **(سندل)**. وهو متروك الحديث ساقط الرواية عند قاطبة نقاد الأثر؛ ولذلك فإن هذا الإسناد بخصوصه تالف وضعيف جداً.

#### الطريق الثاني (المرسل الصحيح):

أخرجه البيهقي من طريق ابن وهب، قال أخبرني ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح مرسلاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لرعاء الإبل أن يرموا الجمار بالليل.

 * **دراسة الرجال:**

   * *ابن جريج:* هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة ثبت صاحب تصانيف، ولكنه يدلس. وإرساله عن عطاء قوي؛ لكونه لازم عطاءً ملازمة طويلة ومستفيضة.

   * *عطاء بن أبي رباح:* إمام مناسك الحج في زمانه، ثقة ثبت فقيه.

 * **الحكم الحديثي:** هذا إسناد صحيح مرسل، وهو من أقوى المراسيل في هذا الباب.

#### الطريق الثالث (مرسل صحيح ثانٍ):

أخرجه البيهقي أيضاً من طريق ابن وهب، قال أخبرني يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.

 * **دراسة الرجال:**

   * *يحيى بن أيوب:* الغفيقي المصري، صدوق يهم سيئ الحفظ قليلاً ولكنه من رجال الصحيح.

   * *عمارة بن غزية:* الأنصاري, ثقة لا بأس به احتج به مسلم.

   * *محمد بن إبراهيم:* التيمي، ثقة ثبت من أئمة المدينة.

   * *أبو سلمة بن عبد الرحمن:* بن عوف، أحد فقهاء المدينة الثقات الأثبات.

 * **الحكم الحديثي:** إسناد صحيح مرسل، رجاله ثقات أثبات وهم رجال الصحيح.

#### الطريق الرابع (الموصول الجيد بالشواهد):

أخرجه البزار في مسنده (2/32/1139)، والبيهقي من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر موصولاً.

 * **دراسة الرجال:**

   * **مسلم بن خالد الزنجي:** هو فقيه مكة، صدوق كثير الأوهام والأخطاء، ضعفه بعض النقاد كابن معين والنسائي، ووثقه آخرون. قال عنه الحافظ في التقريب: "صدوق كثير الأوهام"، وقال الذهبي: "صدوق يهم".

   * *عبيد الله بن عمر:* العمري المدني، ثقة ثبت حجة، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة حكماً.

   * *نافع:* مولى ابن عمر، ثقة ثبت إمام الطبقة الثانية.

 * **الحكم الحديثي:** هذا إسناد جيد في الشواهد والمتابعات. فرغم وهم الزنجي، إلا أن روايته مستقيمة لموافقتها مرسل ابن جريج وعمارة بن غزية.

### ثالثاً: حديث عاصم بن عدي في رخصة الرعاة والبيتوتة

 * **التخريج والمسند:** رواه مالك في الموطأ، وأخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه.

 * **السند ورجاله:** يرويه ابن جريج، عن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه عاصم بن عدي رضي الله عنه.

 * **دراسة الرجال:**

   * *محمد بن أبي بكر:* الأنصاري المدني، ثقة من رجال الصحيح.

   * *أبوه (أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم):* الأنصاري الفقيه، قاضي المدينة وعالمها، ثقة ثبت.

   * *أبو البداح بن عاصم:* ثقة مدني مقبول الرواية، احتج به أصحاب السنن.

   * *عاصم بن عدي:* صحابي جليل شهد أحداً والمشاهد كلها.

 * **الحكم الحديثي:** صححه الإمام الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح"، وصححه الإمام الألباني في "إرواء الغليل" تحت رقم (1080)، ومحققو المسند إسنادهم صحيح. وهو حجة قاطعة في مشروعية تأخير الرمي وجمعه ووقوعه بليل أو نهار للمشقة والأعذار.

## المبحث الرابع: التطبيق الفقهي المعاصر والموازنة المقاصدية

تعد المستجدات التنظيمية والخدمية في الحج من النوازل الكبرى التي تتطلب إعمال أدوات "تحقيق المناط". فالدليل الشرعي ثابت في أصله، ولكن تغير الظروف والوقائع يوجب تعديل تنزيل الأحكام الشرعية لملائمة مقتضيات الواقع وحماية مقاصد الملة.

### أولاً: واقع المشقة والدراسة المقاصدية لحفظ النفوس

تضيق مساحة مشعر منى جغرافياً بالحشود المليونية؛ حيث تشهد منطقة الجمرات تدفقاً هائلاً يزيد في ساعات الذروة (بعيد الزوال) عن الطاقة الاستيعابية للجسر والساحات المحيطة به. هذا الوضع يؤدي قسراً إلى حدوث كوارث تدافع وصفت بالقاتلة والمهلكة في مواسم سابقة.

وتقرر القواعد الأصولية والمقاصدية أن **"حفظ النفس الإنسانية"** هو مقصد كلي قطعي أجمعت عليه الملل والشرائع، وتتبعه وتخدمه سائر المقاصد والوسائل الفرعية. بينما تحديد توقيت رمي الجمار بعد الزوال أو في النهار هو حكم فرعي ظني من حيث دلالته الزمنية وصحة الرمي في غيره. وعند وقوع التعارض الحتمي بين المقصد القطعي (حفظ النفس) والوسيلة التعبدية الظنية (الرمي نهاراً)، يقدم القطعي بلا ريب؛ لأن بقاء العبادة مرتبط ببقاء المكلف نفسه، وهلاك الأنفس يبطل الغاية من التشريع.

### ثانياً: قرارات المجامع الفقهية وهيئة كبار العلماء

بناءً على التقارير الفنية والأمنية المرفوعة من جهات التفويج والتنظيم، أصدرت المرجعيات الإفتائية الكبرى قرارات تاريخية تعيد رسم الخارطة الزمنية للرمي دفعاً للمشقة والتهلكة :

 1. **قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية:** تضمن قرار المجلس إجازة رمي جمرة العقبة يوم النحر بعد منتصف ليلة العيد للضعفة والنساء والمسنين، ومن يقوم بشؤونهم من الأقوياء. كما قرر المجلس بالأكثرية جواز الرمي ليلاً في أيام التشريق عن اليوم الفائت، بحيث يمتد وقت الرمي من الزوال ويستمر طوال الليل وحتى طلوع فجر اليوم الذي يليه. ومنع المجلس التقديم قبل الزوال لعدم ثبوت الدليل الصريح المانع من الاضطراب.

 2. **مجمع الفقه الإسلامي الدولي ورابطة العالم الإسلامي:** أكدت البحوث الصادرة عن مجلة المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة أن الحاجة والمشقة العامة المعاصرة تنزل منزلة الضرورة الخاصة. وعليه، فإن ترخيص الشارع للرعاة والسقاة بالرمي ليلاً لم يكن حكماً تعبدياً جامداً مقصوراً على أعيانهم، بل علته مشقة الانشغال بمصالح الرعي نهاراً. وبما أن الحجاج يواجهون اليوم مشاق مهلكة تتعلق بحياتهم وصحتهم، فإن إلحاقهم برخصة الرعاة قياس جلي وأولى بالاعتبار الشرعي.

## المبحث الخامس: الخاتمة والتوصيات الفقهية

أسفرت هذه الدراسة الفقهية الأثرية المقاصدية عن صياغة حزمة من الاستنتاجات العلمية والتوصيات التطبيقية التي ينبغي على الهيئات الإرشادية وبعثات الحج تبنيها لضمان أمن الحجيج وسلامتهم الإيمانية والبدنية:

 * يظل التوقيت النبوي الراتب لرمي الجمار (ضحى يوم النحر وبعد زوال الشمس في أيام التشريق) هو السنة المؤكدة والمسلك الأفضل لمن قدر عليه بلا مشقة فادحة أو تدافع مهلك، تأساً بفعل المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.

 * يعتبر الرمي في المساء والليل أيام التشريق أداءً صحيحاً ومجزئاً للحاج، ولا يترتب على فاعله إثم أو فدية أو دم، خروجاً من مضيق الزحام وتيسيراً على الأمة، وهو ما تؤيده أدلة المذهبين الحنفي والشافعي ورواية عند الحنابلة، واختاره كبار المحققين كالشوكاني والصنعاني والألباني وقررته هيئة كبار العلماء.

 * إن رخصة رمي الجمار ليلاً لا تقتصر على الضعفة والنساء والعلائل، بل تشمل الأقوياء والقائمين على التنظيم وكل من يخشى فوات الرفقة أو تضرر بدنه أو ذهاب خشوعه جراء الزحام الشديد؛ استصحاباً للعلة الكلية المتمثلة في رفع الحرج والتيسير العام.

 * يوصى القائمون على بعثات الحج والتفويج بوضع خطط زمنية مرنة تستفيد من كامل الأوقات الشرعية المتاحة على مدار الأربع وعشرين ساعة (نهاراً وليلاً)، وتفويج الحجاج في الفترات الليلية التي يقل فيها الضغط البشري وتعتدل فيها درجات الحرارة، حمايةً لأرواح المسلمين وصيانةً لكرامتهم الإنسانية أثناء أداء النسك.

## المصادر والمراجع

 1. ابن قدامة، موفق الدين عبد الله بن أحمد. *المغني*. تحقيق محمد شرف الدين خطاب وسيد محمد سيد. القاهرة: دار حديث، 1425هـ / 2004م.

 2. ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. *زاد المعاد في هدي خير العباد*. تحقيق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1418هـ / 1998م.

 3. مجمع الفقه الإسلامي الدولي. *قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي الدولي*. تحقيق عبد الستار أبو غدة. دمشق: دار القلم، 1418هـ / 1998م.

 4. آل محمود، عبد الله بن زيد. *يسر الإسلام في تسهيل وقوف عرفة ومزدلفة ورمي الجمار*. الدوحة: مطابع الدوحة الحديثة، 1396هـ.

 5. الغفيلي، عبد الرحمن بن صالح. "حكم رمي الجمار ليلاً." *مجلة البحوث الإسلامية*، العدد 57 (1420هـ): 115-180.

 6. عمارة، طاهر عبد القادر. *تاريخ الجمرات بوادي منى في مكة المكرمة*. مكة المكرمة: دار الرفاعي، 1415هـ.

 7. هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية. *قرارات هيئة كبار العلماء بشأن رمي الجمار*. الرياض: الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، 1426هـ.

 8. ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. *شرح عمدة الفقه*. تحقيق صالح بن محمد الحسن. الرياض: مكتبة العبيكان، 1418هـ / 1997م.

 9. الشوكاني، محمد بن علي. *نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار*. تحقيق طارق بن عوض الله. الرياض: دار ابن الجوزي، 1427هـ.

 10. النووي، يحيى بن شرف. *المجوع شرح المهذب*. تحقيق محمد نجيب المطيعي. جدة: مكتبة الإرشاد، د.ت.

 11. الصنعاني، محمد بن إسماعيل. *سبل السلام شرح بلوغ المرام*. تحقيق محمد صبحي حسن حلاق. الرياض: دار ابن الجوزي، 1421هـ.

 12. الألباني، محمد ناصر الدين. *إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل*. بيروت: المكتب الإسلامي، 1405هـ / 1985م.

 13. البخاري، محمد بن إسماعيل. *صحيح البخاري*. تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر. بيروت: دار طوق النجاة، 1422هـ.

 14. المرغيناني، علي بن أبي بكر. *الهداية في شرح بداية المبتدي*. تحقيق طلال يوسف. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1416هـ.

 15. مالك بن أنس. *الموطأ*. تحقيق محمد مصطفى الأعظمي. أبوظبي: مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان، 1425هـ / 2004م.

 16. الحطاب، محمد بن محمد بن عبد الرحمن. *مواهب الجليل في شرح مختصر خليل*. بيروت: دار الفكر، 1412هـ.

 17. البهوتي، منصور بن يونس. *كشاف القناع عن متن الإقناع*. تحقيق هلال مصيلحي مصطفى هلال. بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.

 18. الشافعي، محمد بن إدريس. *الأم*. تحقيق رفعت فوزي عبد المطلب. المنصورة: دار الوفاء، 1422هـ / 2001م.

 19. ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله. *مجموع فتاوى ومقالات متنوعة*. جمع محمد بن سعد الشويعر. الرياض: دار القاسم، 1420هـ.

 20. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. *فتح الباري شرح صحيح البخاري*. تحقيق محب الدين الخطيب. بيروت: دار المعرفة، 1379هـ.

 21. ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. *مجموع الفتاوى*. تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416هـ / 1995م.

 22. مسلم بن الحجاج. *صحيح مسلم*. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1372هـ.

 23. ابن قدامة، موفق الدين عبد الله بن أحمد. *الكافي في فقه الإمام أحمد*. بيروت: دار الكتب العلمية، 1414هـ.

 24. البيهقي، أحمد بن الحسين. *السنن الكبرى*. تحقيق محمد عبد القادر عطا. بيروت: دار الكتب العلمية، 1424هـ / 2003م.

 25. الطحاوي، أحمد بن محمد بن سلامة. *شرح معاني الآثار*. تحقيق محمد زهري النجار. بيروت: دار الكتب العلمية، 1399هـ.

 26. البزار، أحمد بن عمرو. *البحر الزخار (مسند البزار)*. تحقيق عادل بن سعد. المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، 1409هـ.

 27. الترمذي، محمد بن عيسى. *سنن الترمذي*. تحقيق أحمد محمد شاكر. بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت.

 28. النسائي، أحمد بن شعيب. *السنن الكبرى*. تحقيق حسن عبد المنعم شلبي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1421هـ / 2001م.

 29. ابن ماجه، محمد بن يزيد. *سنن ابن ماجه*. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت.

 30. ابن عدي، عبد الله بن عدي. *الكامل في ضعفاء الرجال*. تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض. بيروت: دار الكتب العلمية، 1418هـ / 1997م.

 31. الرملي، شمس الدين محمد بن أبي العباس. *نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج*. بيروت: دار الفكر، 1404هـ / 1984م.

 32. ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله. *الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار*. تحقيق سالم محمد عطا ومحمد علي معوض. بيروت: دار الكتب العلمية، 1421هـ / 2000م.

 33. الشنقيطي، محمد الأمين. *أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن*. بيروت: دار الفكر، 1415هـ / 1995م.

 34. الجيزاني، محمد بن حسين. *فقه النوازل*. الدمام: دار ابن الجوزي، 1426هـ.

 35. ابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد. *المحلى بالآثار*. تحقيق لجنة إحياء التراث العربي. بيروت: دار الآفاق الجديدة، د.ت.

 36. القرافي، شهاب الدين أحمد بن إدريس. *الذخيرة*. تحقيق محمد بو خبزة. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1994م.

 37. مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة. *قرارات المجمع الفقهي الإسلامي*. مكة المكرمة: رابطة العالم الإسلامي، 1425هـ / 2004م.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

# منهجية التكبير الفردي والجماعي في الفقه الإسلامي: دراسة تحليلية مقارنة للأدلة والأقوال والعلل الحديثية ## تأصيل صفة التكبير الفردي في الشعيرة الإسلامية

# فقه دار الهجرة: دراسة تحليلية في الأصول المنهجية والتطبيقات العملية للمذهب المالكي ## المدخل المنهجي والأصولي للمذهب المالكي

# وجوب تأخير الأضحية عن صلاة العيد وحكم ذبحها قبل الإمام