# منهجية أهل السنة والجماعة في التفريق بين الحكم على القول والحكم على المعين وضوابط الترحم على المخالفين


تعد قضية الأسماء والأحكام، وما يتبعها من توصيف الشخص بالإيمان أو الكفر، ومن ثم الحكم عليه باستحقاق الجنة أو النار، من أدق وأخطر مسائل الاعتقاد التي خاض فيها علماء المسلمين عبر العصور. إن هذا المبحث يمثل مفرق الطريق بين منهج أهل السنة والجماعة وبين طوائف الغلو كخوارج العصر، وطوائف التفريط كغلاة المرجئة. وتتجلى أهمية هذا البحث في محاولة فض الاشتباك المعرفي والمنهجي بين "الحكم على المقالة أو الفعل" وبين "الحكم على القول أو الفاعل المعين"، وهو خلط أدى تاريخياً إلى استباحة الدماء المعصومة وتفتيت وحدة الأمة المجتمعية. إن الأصل المستقر في الشريعة الإسلامية هو أن كل من ثبت إسلامه بيقين، فإنه لا يزول عنه هذا الوصف إلا بيقين مثله، مما يستوجب بقاءه تحت مظلة الرحمة والاستغفار مالم يرتكب ناقضاً صريحاً استوفى شروطه وانتفت موانعه.

## الإطار التأصيلي لعقد الإسلام وثبوته باليقين

ينبني الموقف الشرعي تجاه المخالفين في العقيدة على فهم عميق لما يسمى "عقد الإسلام"؛ وهو القدر الشرعي الذي إذا التزمه المكلف صار مسلماً تترتب عليه أحكام الملة في الدنيا والآخرة. يثبت هذا العقد بواحد من طرق ثلاث: النطق بالشهادتين، أو فعل أفعال المسلمين المختصة بهم كالصلاة واستقبال القبلة، أو التبعية للأبوين المسلمين. وبمجرد ثبوت هذا العقد، يدخل الشخص في مسمى "أهل القبلة"، وتثبت له حقوق معنوية ومادية تشمل محبته ونصرته وعصمة دمه وماله، فضلاً عن الحق في الصلاة عليه والترحم عليه بعد وفاته.

إن القاعدة الفقهية الكبرى "اليقين لا يزول بالشك" تجد أقوى تطبيقاتها في هذا الباب. فمن دخل الإسلام بيقين، لا يجوز إخراجه منه لمجرد ظنون أو احتمالات أو تأويلات بعيدة. ويؤكد المحققون أن التكفير لا يكون بأمر محتمل، بل يجب أن يكون مأخذه شرعياً يستند إلى نص قطعي أو إجماع لا معارض له. هذا الورع العلمي هو الذي جعل الإمام أحمد بن حنبل يمتنع عن تكفير أعيان الجهمية الذين امتحنوه، واصفاً إياهم بالجهل، في إشارة واضحة إلى أن الشك في توفر شروط التكفير يوجب استصحاب أصل الإسلام.

## ثنائية المطلق والمعين: المبدأ والآلية

يفرق أهل السنة والجماعة في أحكام التكفير والتفسيق بين رتبتين؛ الحكم المطلق والحكم على المعين. الحكم المطلق هو الحكم المعلق على وصف عام، كقولنا: "من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة فقد كفر"، أو "من قال بخلق القرآن فهو كافر". هذا النوع من الأحكام يهدف إلى بيان حكم الشرع في المقالات والأفعال والاعتقادات في حد ذاتها، وهو من قبيل الوعيد العام الذي يطلقه الشارع لزجر الناس وحماية جناب التوحيد.

أما تكفير المعين، فهو تنزيل ذلك الحكم العام على شخص محدد بعينه. وهنا يقرر العلماء أن وجود المقالة أو الفعل المكفر في الشخص لا يستلزم بالضرورة كفره. فالحكم على المعين يتوقف على ثبوت "موجبات الحكم" وانتفاء "موانعه". وهذا التمييز هو الذي يفسر كيف يمكن لابن تيمية أو الإمام أحمد أن يصفا مقالة بأنها "كفر"، بينما يدعوان لصاحبها بالرحمة والمغفرة ويصليان خلفه.

إن العلاقة بين المطلق والمعين تحكمها ضوابط صارمة، حيث إن نصوص الوعيد والتكفير لا يستلزم ثبوت موجبها في حق الشخص المعين إلا إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع، ولا فرق في ذلك بين المسائل الأصولية (العقدية) والفرعية (الفقهية). وهذا يؤدي إلى استنتاج مفاده أن التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدماء، ومأخذه يجب أن يكون يقينياً أو بظن غالب لا يتردد فيه المحققون، ومهما حصل تردد فالتوقف أولى.

## موانع التكفير والتبديع عند أهل السنة

لتحقيق العدل والإنصاف في الحكم على الأشخاص، وضع العلماء "موانع" تحول دون إلحاق صفة الكفر بالمسلم الذي وقع في فعل مكفر. هذه الموانع هي أوصاف وجودية تمنع ثبوت الحكم رغم وجود علته الظاهرة.

يعتبر الجهل من أهم الموانع، خاصة في البيئات التي تضعف فيها آثار النبوة أو يقل فيها العلم. ومع ذلك، يفرق العلماء بين نوعين من الجهل: الجهل في المسائل الخفية التي قد تخفى على أمثاله، وهذا يعذر فيه صاحبه حتى تبين له المحجة. أما الجهل في المسائل الظاهرة كالتوحيد والشرك لمن يعيش بين المسلمين ويسمع القرآن، فقد اختلف فيه العلماء؛ فمنهم من يرى عدم العذر لتقصيره في التعلم ، ومنهم من يرى أن العذر قائم حتى تقوم عليه الحجة الرسولية التي يكفر تاركها.

أما المتأول فهو الذي قصد اتباع الحق لكنه سلك طريقاً خاطئاً في فهم الدليل أو تنزيله. هذا الصنف لا يحكم عليه بالكفر عند أهل السنة، بل يلحقونه بالمجتهد المخطئ الذي يغفر الله له خطأه. إن التأويل يرفع القصد الجنائي للكفر، لأن صاحبه لم يهدف إلى تكذيب الرسول بل ظن أن قوله هو حقيقة ما جاء به الرسول.

كما يمثل الإكراه حالة سلب الإرادة، حيث ينطق الشخص بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان خوفاً على نفسه. أما الخطأ، فهو سبق اللسان بالكلمة دون إرادة المعنى، كما في قصة الرجل الذي قال "أنت عبدي وأنا ربك" من شدة الفرح. في كلتا الحالتين، ينتفي "القصد" الذي هو شرط أساسي في التكفير، إذ إن الحكم يدور مع الإرادة والاختيار.

## منهج الإمام أحمد بن حنبل في مواجهة الفتنة

تقدم "محنة خلق القرآن" نموذجاً عملياً فريداً لكيفية تطبيق هذه القواعد في أحلك الظروف. لقد واجه الإمام أحمد خلفاء (المأمون، المعتصم، الواثق) تبنوا بدعة مكفرة، وامتحنوا الناس عليها، وعذبوا العلماء وقتلوهم. ورغم أن الإمام أحمد كان يرى أن القول بخلق القرآن كفر، إلا أن تعامله مع هؤلاء الخلفاء بأعيانهم كشف عن عمق فقهه وورعه.

كان الإمام أحمد يدعو للمعتصم بالمغفرة والرحمة، بل جعل الكل في حلّ. والسبب في ذلك هو علمه بأنهم "متأولون" مقلدون لرؤوس الضلالة، ولم يقصدوا تكذيب الرسول. لقد كان يرى إيمانهم وإمامتهم، ويصلي خلفهم، ويرى الحج والغزو معهم، ويمنع من الخروج عليهم. إن هذا الموقف يثبت أن "الخطأ في العقيدة" لا يعني زوال وصف الإسلام مباشرة، وأن الرحمة للمخالف الظالم هي منهج الأكابر من علماء السلف.

في واقعة بليغة، حكى "طبيب القراء" أنه دخل على الإمام أحمد وهو يعاني من أوجاع الضرب، فكان الإمام يردد: "اللهم اغفر للمعتصم". وعندما سئل عن ذلك، أجاب بوازع ديني وأخلاقي رفيع: "كرهت أن آتي يوم القيامة وبيني وبين أحد من قرابة رسول الله ﷺ خصومة". هذا النوع من السلوك يوضح أن الحكم على الأشخاص عند أهل السنة لا ينطلق من التشفي أو الغضب الشخصي، بل من ميزان العدل والرحمة.

## شيخ الإسلام ابن تيمية: مدرسة الإنصاف العلمي

يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية من أكثر الأئمة تفصيلاً في مسألة العذر بالجهل والتأويل. لقد قرر قاعدة جامعة مفادها أن "المؤمن الذي لا ريب في إيمانه قد يخطئ في بعض الأمور العلمية الاعتقادية فيغفر له كما يغفر له ما يخطئ فيه من الأمور العملية". وقد طبق هذا المبدأ حتى في أشد المسائل خطورة كمسائل الشرك والاستغاثة بالقبور، حيث رأى أن الجهل قد يكون مانعاً من تكفير المعين الذي يظن أن هذا الفعل يقربه إلى الله.

اتسم منهج ابن تيمية مع خصومه بالاعتذار للمخالفين، حيث كان يرى أن الكثير من خصومه الذين آذوه وسجنوه هم مجتهدون مخطئون، بل قد يكونون مأجورين على اجتهادهم وإن أخطأوا. وعندما أتيحت له فرصة الانتقام من القضاة الذين حرضوا السلطان على قتله، رفض ذلك بشدة واستوهب السلطان دماءهم، قائلاً: "أنا لا أنتصر لنفسي". وكان يدعو لخصومه وأعدائه، حتى إن بعض أصحابه تمنوا أن يكونوا لأصدقائهم كما كان ابن تيمية لأعدائه. كما كان يفرق بين المقالة وصاحبها، فيرد على الباطل بالحجة، لكنه في حق الأشخاص كان واسع العذر.

## الترحم على أهل البدع والعلماء المتأولين

تعد قضية الترحم على من وقع في بدعة أو أخطأ في العقيدة من القضايا التي يكثر فيها الخلط. والأصل الشرعي هو جواز الترحم على أهل البدع غير المكفرة لأنهم مسلمون، والدعاء لهم من حقوق الأخوة الإيمانية. بل إن ابن القيم نقل الإجماع على جواز الترحم على المؤمنين عامة، فكل من لم يثبت كفره بيقين، بقي حقه في الاستغفار والترحم ثابتاً.

يمثل الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام النووي نموذجاً للعلماء الذين نفع الله بهم الأمة نفعاً عظيماً، ومع ذلك وقعوا في تأويلات لبعض الصفات الإلهية على طريقة الأشاعرة. ويرى كبار علماء أهل السنة المعاصرين أن هؤلاء من أئمة أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة، وأنهم أخطأوا في تأويلاتهم عن اجتهاد وحسن قصد. وقد استمر الثناء عليهم والترحم عليهم والوصية بالاستفادة من كتبهم. وأنكر الشيخ ابن عثيمين بشدة على من وصفهم بالضلال أو طالب بإحراق كتبهم كـ "فتح الباري"، معتبراً هذا التصرف سفاهة وظلماً ومخالفة لمنهج الوسطية.

## الحكمة الشرعية والمصلحة المجتمعية في ضبط التكفير

إن التشديد في شروط التكفير والتوسع في موانعه هو ضرورة لحماية المجتمع المسلم من التفكك والفتن. إن التسرع في التكفير يترتب عليه مفاسد كبرى، منها فساد العلاقة مع الله، وتمزيق الوحدة الوطنية والاجتماعية، وتعطيل الدعوة. ويؤكد المحققون أن "الحكم بالظاهر" هو المقطوع به في أحكام الدنيا، أما السرائر فموكولة إلى الله. وهذا المنهج هو الذي يحفظ للناس حقوقهم المدنية والشرعية، ويمنع الفوضى التي قد تنجم عن محاولة "تفتيش القلوب".

لا يعني الترحم على المخطئ إقرار بدعته، بل إن أهل السنة يوازنون بين بيان الحق ورحمة الخلق. فبيان الباطل واجب، لكن الهجر للمصلحة يُستخدم كدواء إذا ترجحت مصلحته. والقاعدة الذهبية التي سار عليها الأئمة هي: "نحب ما في الشخص من إيمان وسنة، ونبغض ما فيه من معصية وبدعة".

## المصادر والمراجع

ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. *مجموع الفتاوى*. أرشيف الإنترنت. [https://archive.org/download/ahmad-jahmiya/adilla-jahmia.pdf](https://archive.org/download/ahmad-jahmiya/adilla-jahmia.pdf).

ابن حبان، محمد. *روضة العقلاء ونزهة الفضلاء*. شبكة الألوكة. https://majles.alukah.net/showthread.php?t=113287.

ابن القيم، محمد بن أبي بكر. *مدارج السالكين*. موقع صوت السلف. http://salafvoice.com/article.aspx?a=19881.

الصلابي، علي محمد. "موقف الإمام أحمد من استغفاره للخليفة المأمون والمعتصم والواثق." *موقع الدكتور علي الصلابي*. https://www.alsalabi.com/article/2034.

العثيمين، محمد بن صالح. *شرح الأربعين النووية*. موقع ف نور. https://www.fnoor.com/main/articles.aspx?article_no=30018.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. *فتاوى اللجنة الدائمة*. موقع الإسلام سؤال وجواب. https://islamqa.info/ar/answers/107645.

المنجد، محمد صالح. "الفرق بين تكفير المطلق وتكفير المعين." *موقع المنجد*. https://almunajjid.com/courses/lessons/474.

السعيدان، وليد بن راشد. "مفهوم الإسلام بالجملة وثبوت الإسلام بيقين." *قناة الشيخ وليد السعيدان على يوتيوب*. https://www.youtube.com/watch?v=6YIcScRuhH8.

موقع على بصيرة. "عقد الإسلام في شريعة الإسلام." https://alabasirah.com/node/389.

وزارة الأوقاف المصرية. "موازين الشرع في أحكام التكفير." *بوابة الأوقاف أونلاين*. https://awkafonline.gov.eg/content-sections/130/8586.

ويكيبيديا. "الإسلام." https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

# منهجية التكبير الفردي والجماعي في الفقه الإسلامي: دراسة تحليلية مقارنة للأدلة والأقوال والعلل الحديثية ## تأصيل صفة التكبير الفردي في الشعيرة الإسلامية

# فقه دار الهجرة: دراسة تحليلية في الأصول المنهجية والتطبيقات العملية للمذهب المالكي ## المدخل المنهجي والأصولي للمذهب المالكي

# وجوب تأخير الأضحية عن صلاة العيد وحكم ذبحها قبل الإمام