# منهجية التداخل والتشريك بين الأضحية والعقيقة: دراسة فقهية أصولية ونقدية حديثية مقارنة ## التكييف الأصولي الفلسفي لتداخل العبادات والتشريك في النية
تتجاوز مسألة الجمع بين الأضحية والعقيقة بنية واحدة في ذبيحة واحدة حدود الفتاوى الجزئية لتستقر في قلب القواعد الأصولية الحاكمة لتداخل الأحكام والتشريك في النيات. وتنبني هذه المسألة على تدافع أصولي بين قاعدتين كليتين تعكسان فلسفة التشريع الإسلامي في تحقيق المقاصد التعبدية ومراعاة التيسير على المكلفين.
ترتكز القاعدة الأولى على مبدأ "تداخل العبادات إذا اتحد جنسها وسقطت إحداهما بفعل الأخرى". ويرى القائلون بالتداخل أن جنس الذبح وإراقة الدم متفق في العبادتين، والمقصد منهما هو التقرب إلى الله تعالى بذبح نسيكة مخصوصة في زمن مخصوص. ويقيس أصحاب هذا الاتجاه المسألة على صور فقهية معتمدة، كغسل الجنابة المندمج تحت غسل الجمعة، أو صلاة الفريضة التي تنوب عن تحية المسجد لمن دخله والإمام في الصلاة. وفي هذه الحالة، تسقط المطالبة بفعلين تعبديين مجتمعين ويكتفي الشارع بفعل واحد تيسيراً وتخفيفاً.
وتقابلها القاعدة الثانية التي تنص على أن "المقصود لذاته لا يتداخل". ويوجه مانعو التداخل هذه القاعدة نحو الأضحية والعقيقة باعتبار أن كلاً منهما عبادة مستقلة مقصودة لذاتها بأمر شرعي خاص، وذات سبب نشوء مستقل لا يرتبط بالآخر. فالأضحية شرعت شكراً لنعمة بقاء الحياة وفداء عن النفس، وهي شعيرة تتكرر بتكرار الأعوام في زمن العيد. أما العقيقة، فهي فداء أصيل عن المولود لفك ارتهانه وتطهيره ورجاء بره وشفاعته، وهي قربة ترتبط بالولادة ولا تتكرر. وبما أن الوسائل لا تتداخل إذا اختلفت المقاصد المستقلة، يمتنع شرعاً أن تقوم شاة واحدة بمقام فداءين مختلفين، تماماً كامتناع تداخل دم التمتع مع دم الفدية في مناسك الحج.
## مواقف الأئمة الأربعة بالتفصيل وبخاصة إمام المذهب الأول
تتعدد مواقف المذاهب الفقهية الأربعة في شأن التداخل والتشريك في الذبيحة الواحدة بين مانع ومجيز، ويمكن تحرير وتفصيل هذه المواقف على النحو الآتي:
* **مذهب الحنفية (وهو مذهب إمام الأئمة أبي حنيفة النعمان):** يقرر الحنفية في الفتوى المستقرة والمتأخرة جواز الجمع والإجزاء. ويستندون في ذلك إلى أن إراقة الدم هي وسيلة تقرب مخصوصة لله تعالى، وتتداخل مقاصد العبادات المتجانسة فيها بفعل واحد كأفعال الصلاة، وتندرج هذه التفاصيل في كتب المتأخرين وشروح الهداية.
* **مذهب المالكية:** يذهب المالكية إلى المنع المطلق وعدم الإجزاء. ويستندون إلى أن إراقة واحدة لا تجزئ عن إراقتين؛ لأن الغرض الأصيل والشرعي هو تعظيم الشعيرة بإراقة دم مستقل لكل قربة، وتعتمد هذه الفتاوى في مراجع المالكية مثل "الذخيرة" للقرافي، و"مواهب الجليل" للحطاب.
* **مذهب الشافعية:** يرى الشافعية المنع المطلق بل وبطلان النيتين معاً. ويرون أن كلاً من الأضحية والعقيقة سنة مقصودة لذاتها بطلب مستقل، والتشريك في النية يبطلهما معاً فتتحول الذبيحة إلى محض لحم عادي لا نسيكة فيه، وهو الوجه المعتمد في "تحفة المحتاج بشرح المنهاج" لابن حجر الهيتمي.
* **مذهب الحنابلة:** يرى الحنابلة جواز الجمع والإجزاء وهو المعتمد نصاً في المذهب. ويستندون في ذلك إلى قياس اجتماع العبادات المتجانسة في الفعل، كغسل العيد والجمعة، وتداخل دم القارن والمتمتع مع الأضحية، وهو المقرّر في كتب المذهب المعتمدة كـ "شرح منتهى الإرادات" و"كشاف القناع" للبهوتي.
### التفصيل الدقيق لموقف الإمام أبي حنيفة النعمان ومدرسته الكوفية
يتطلب فهم موقف مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان فك الاشتباك الفقهي حول أصل مشروعية العقيقة لديه أولاً، ثم تخريج مسألة الجمع ثانياً:
نقلت المصادر الأثرية والفقهية عن الإمام أبي حنيفة قولاً متشدداً في أصل مشروعية العقيقة، حيث حكي عنه في "البحر" وغيره قوله بأن "العقيقة جاهلية محاها الإسلام". وذهب تلميذه الإمام محمد بن الحسن الشيباني إلى أن العقيقة كانت مشروعة في صدر الإسلام ثم نسختها الأضحية. ويعزو نقاد الحديث والفقهاء هذا الموقف التاريخي المتقدم إلى عدم بلوغ الأحاديث الصحيحة الواردة في العقيقة للإمام أبي حنيفة في تلك المرحلة، أو أنه حمل أحاديث الأمر بها على النسخ الكلي بفرضية الأضحية. وبناءً على هذا الأصل القديم، فإن العقيقة في المذهب الحنفي الأصيل ليست فرضاً ولا سنة.
ولكن مع تطور الفقه الحنفي واستقرار المذهب، انتقل المحققون من علماء الأحناف إلى القول بجواز الجمع والإجزاء؛ مستندين إلى أن التضحية واجبة على الموسر المقيم في يوم الأضحى. فإذا ذبح الموسر أضحيته ونوى بها الأضحية الواجبة وأشرك معها نية العقيقة عن ولده، أجزأه ذلك. وعللوا ذلك بأن المقصود الأسمى في الفكر الحنفي هو حصول القربة بإسالة الدم وإراقة الذبح لله تعالى في زمن النحر. وبما أن إراقة الدم قد وقعت مطابقة للوقت والصفة، فإن النية المشتركة تتداخل فيها العبادة الأدنى (العقيقة التطورية أو المندوبة) تحت العبادة الأعلى والواجبة (الأضحية)، مما يؤدي إلى سقوط الطلب بالعبادتين بفعل مادي واحد.
### موقف المذهبين المالكي والشافعي في امتناع الجمع
أظهر المالكية والشافعية صرامة منهجية في إبطال التداخل. وصاغ ابن حجر الهيتمي الشافعي في "تحفة المحتاج" الوجه الفقهي لهذا المنع بقوله: "وظاهر كلام الأصحاب أنه لو نوى بشاة الأضحية والعقيقة لم تحصل واحدة منهما، وهو ظاهر؛ لأن كلاً منهما سنة مقصودة". فالجمع في النية عند الشافعية لا يصحح إحداهما بل يبطلهما معاً ويحيل الذبيحة إلى محض لحم عادي لا نسيكة فيه لفقدان التعيين الخالص.
وفي المقابل، فرق المالكية بدقة بين غايات الذبح؛ فنقل الحطاب في "مواهب الجليل" عن الفهري قوله: "إذا ذبح أضحيته للأضحية والعقيقة لا يجزيه، وإن أطعمها وليمة أجزأه، والفرق أن المقصود في الأولين إراقة الدم، وإراقته لا تجزئ عن إراقتين، والمقصود من الوليمة الإطعام، وهو غير مناف للإراقة، فأمكن الجمع".
## المحاكمة الحديثية والنقدية للأسانيد وتراجم الرواة
لا يمكن فصل الأحكام الفقهية عن مادتها الحديثية ومصادرها الأثرية. وسنداً لطلب التحرير الممتد والدقيق، نورد المحاكمة النقدية لحديث الباب وتراجم رجال أسانيده تفصيلاً:
### أولاً: دراسة حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه
يعتبر حديث سمرة بن جندب الأصل الشرعي الحاكم لمشروعية العقيقة وعلاقتها بالأضحية.
#### نص الحديث الشريف
> "كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى".
>
#### السند المروي به الحديث عند أبي داود والترمذي والنسائي
روي الحديث من طريق: **حفص بن عمر النمري، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم**.
#### تراجم رجال الإسناد (تراجم الرواة بالتفصيل)
1. **حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة الأزدي النمري (أبو عمر الحوضي):** ثقة ثبت متقن، يعد من كبار الطبقة العاشرة من شيوخ الإمام البخاري، روى له الجماعة.
2. **همام بن يحيى بن دينار العوذي البصري:** ثقة حافظ، من الطبقة السابعة، روى له الجماعة، إلا أنه ربما وهم في بعض الأحاديث لحفظه.
3. **قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي البصري (أبو الخطاب):** ثقة ثبت، إمام مفسر حافظ حافظ، ولد أكمه (أعمى)، وهو رأس الطبقة الرابعة، روى له الجماعة.
4. **الحسن بن أبي الحسن يسار البصري:** ثقة فقيه فاضل مشهور، رأس أهل الطبقة الثالثة، كان يرسل كثيراً ويدلس، روى له الجماعة.
5. **سمرة بن جندب بن هلال الفزاري:** صحابي جليل مشهور، نزل البصرة وله بها أحاديث كثيرة.
#### العلة النقدية في لفظة "ويُدمّى" والوهم المنسوب لهمام
وقع خلاف حاد بين الحفاظ في ضبط الكلمة الأخيرة من الحديث؛ حيث تفرد همام بن يحيى بروايتها بلفظ **"ويُدمّى"** (بالدال المهملة وتشديد الميم). وخالفه أصحاب قتادة الكبار الثقات كـ سعيد بن أبي عروبة وأبان العطار، فرووها بلفظ **"ويُسمّى"** (بالسين المهملة وتخفيف الميم).
وقد أعقب الإمام أبو داود هذه الرواية بحكم نقدي صارم قائلاً: "وهذا وهم من همام... خولف همام في هذا الكلام وهو وهم منه، وإنما قالوا: ويسمى... وليس يؤخذ بهذا". وعلل الحفاظ هذا الوهم بأن التدمية (تلطيخ رأس المولود بدم الذبيحة) كانت من شعائر الجاهلية التي نقضها الإسلام ونهى عنها صراحة ، حيث ثبت من حديث يزيد بن عبد الله المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم". وبناءً على ذلك، صحح الأئمة ومنهم الشيخ الألباني الحديث بلفظ "ويسمّى" وضعفوا زيادة همام "ويدمّى" باعتبارها شاذة ومخالفة للثقات.
#### تفصيل الخلاف في سماع الحسن البصري من سمرة بن جندب
يعد سماع الحسن البصري من سمرة من القضايا النقدية التي تشعبت فيها آراء المحدثين على ثلاثة مسالك :
* **المسلك الأول:** عدم صحة سماعه منه مطلقاً، وأن كل ما يرويه الحسن عن سمرة هو كتاب وصحيفة وجدها ولم يسمع لفظها منه.
* **المسلك الثاني:** صحة سماعه منه مطلقاً، وهو ما جزم به الإمام علي بن المديني تماشياً مع معاصرة الحسن البصري لسمرة بالبصرة ولقائه الممكن به.
* **المسلك الثالث (منهج الإمام البخاري):** إثبات سماع الحسن من سمرة في حديث واحد فقط وهو **حديث العقيقة**. وقد أشار الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" إلى هذا الصنيع النقدي البديع للبخاري بقوله: "لكن روى البخاري في صحيحه من طريق الحسن أنه سمع حديث العقيقة من سمرة كأنه عنى هذا". وتوافق هذا التوجيه الفطن مع صنيع النسائي، مما يرفع الجهالة والتأثر بتدليس الحسن في هذا الحديث تحديداً ويجعله في رتبة الصحيح الثابت بلا نزاع.
### ثانياً: المحاكمة النقدية لآثار التابعين المروية في التداخل
احتج المجيزون للجمع بالآثار المنقولة في مصنفات الحديث عن السلف. ونعرض هنا الأسانيد محاكمة ومترجمة:
#### 1. أثر محمد بن سيرين وهشام بن حسان القردوسي
* **السند:** أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" قال: **حدثنا وكيع، عن سفيان، عن هشام وابن سيرين قالا: يُجزئ عنه الأضحية من العقيقة**.
* **تراجم رجال السند:**
* **وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي (أبو سفيان):** ثقة حافظ ثبت عابد.
* **سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (أبو عبد الله):** أمير المؤمنين في الحديث، الإمام الفقيه الثقة الثبت.
* **هشام بن حسان القردوسي البصري:** ثقة من أثبت الناس في الحسن البصري ومحمد بن سيرين.
* **محمد بن سيرين الأنصاري البصري:** الإمام الإجماع، الثقة الثبت، من كبار التابعين.
* **الدرجة الحديثية:** **صحيح قطعاً؛** فرجاله ثقات أثبات من رجال الستة، وإسناده كالشمس في الوضوح والقوة.
#### 2. أثر قتادة بن دعامة السدوسي
* **السند:** أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" قال: **عن معمر، عن قتادة قال: من لم يعق عنه أجزأته أضحيته**.
* **تراجم رجال السند:**
* **معمر بن راشد الأزدي البصري (نزيل اليمن):** ثقة ثبت من كبار الرواد، أصحاب الزهري وقتادة.
* **قتادة بن دعامة السدوسي:** (تقدمت ترجمته).
* **الدرجة الحديثية:** **صحيح؛** إسناد بصري كوفي نظيف على شرط الشيخين.
#### 3. أثر الحسن البصري المروي في الإجزاء
* **السند الأول:** أخرجه ابن أبي شيبة قال: **حدثنا عثمان بن مطر، عن هشام، عن الحسن قال: إذا ضحوا عن الغلام فقد أجزأت عنه من العقيقة**.
* *الحكم النقدي:* **ضعيف؛** لوجود عثمان بن مطر الشيباني البصري وهو ضعيف الحديث باتفاق النقاد، وفي رواية هشام بن حسان عن الحسن كلام يسير.
* **السند الثاني:** أخرجه عبد الرزاق قال: **عن معمر، عن رجل، عن الحسن قال: وإذا ضحي عنه أجزأ ذلك عنه من العقيقة**.
* *الحكم النقدي:* **ضعيف؛** بسبب جهالة وإبهام الواسطة بين معمر بن راشد والحسن البصري ("عن رجل").
يتضح من هذه المحاكمة التفصيلية أن الفتوى بالإجزاء تملك مستنداً أثرياً قوياً وصحيح السند وثابتاً عن محمد بن سيرين وقتادة وهشام بن حسان ، في حين لم يثبت الأثر المباشر المرفوع عن الحسن البصري لضعف طرقه وجهالة رواتها، وإن كان مذهبه العام يتوافق مع الإجزاء بقرينة رواية قتادة والآثار المجاورة.
## المنهج النقدي للأئمة المتأخرين والمعاصرين
خضعت مسألة التشريك لتقييم نقدي صارم من محققي الحديث المتأخرين والمعاصرين، حيث حاكموا الفروع المذهبية والآثار المروية إلى كليات الأدلة ومقاصد الشريعة:
### أولاً: الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني ومسلك نفي الأقيسة
اتخذ الإمام الصنعاني في "سبل السلام شرح بلوغ المرام" مسلكاً نقدياً يرفض فيه نقل أحكام وشروط الأضحية إلى العقيقة بالقياس. ويرى الصنعاني أن الشارع أطلق لفظ "الشاة" في أحاديث العقيقة دون تحديد لسن معينة أو خلو من العيوب. وكتب معللاً في سبل السلام: "وفي إطلاق لفظ الشاة دليل على أنه لا يشترط فيها ما يشترط في الأضحية، ومن اشترطها فبالقياس".
وبناءً على هذا الأصل، فإن الصنعاني يرى التباين التام بين شروط النسكين وعللهما. فإذا كانت الشروط والعيوب المانعة في الأضحية لا تنسحب على العقيقة لعدم ورود النص، فإن القول بتداخلهما بالنية المشتركة يصبح ممتنعاً من باب أولى ؛ إذ كيف تتداخل عبادتان تختلفان في الشروط الشرعية والصفات والسن والزمان والأسباب دون وجود مقتضى أثري صريح يربط بينهما؟
### ثانياً: الإمام محمد بن علي الشوكاني ومحاكمة القياس المستلزم للباطل
ساند الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار" طرح الصنعاني في إبطال القياس الذي يسوي بين العقيقة والأضحية في الأحكام والصفات. وأوضح الشوكاني أن القول باشتراط السن وخلو العيوب في العقيقة قياساً على الأضحية بجامع "التقرب بإراقة الدم" هو مسلك أصولي تترتب عليه لوازم باطلة. وجاء في نيل الأوطار فك الشوكاني لهذا القياس:
> "ولا يخفى أنه يلزَم على مقتضى هذا القياس أن تثبت أحكام الأضحية في كل دم متقرب به، ودماء الولائم كلها مندوبة عند المستدل بذلك القياس... فيلزم أن يعتبر فيها أحكام الأضحية... فـقد استلزم هذا القياس ما لم يقل به أحد، وما استلزم الباطل باطل".
>
ويترتب على تفكيك الشوكاني للقياس بطلان التداخل بين النسكين في النية الواحدة؛ لأن القول بالتشريك يقتضي بالضرورة تماثل النسكين في الصفة والشروط حتى يندرج أحدهما تحت الآخر. فإذا بطل الإلحاق والتماثل، بطل بالتبعية التداخل الشرعي بين نسيكة مقيدة بصفات مخصوصة وأخرى مطلقة لا قيد عليها.
### ثالثاً: الإمام محمد ناصر الدين الألباني وقاعدة امتناع تداخل الواجبات
يمثل الإمام الألباني الموقف المعاصر الأكثر تشدداً ومحاكمة لأثر التشريك. فعندما سئل في تسجيلات "سلسلة الهدى والنور" عن جواز جمع النية بين الأضحية والعقيقة، رد بالمنع الجازم قائلاً: "لا".
وينطلق الألباني في تأصيله الأصولي من رأيه الفقهي الذي ينفرد به عن جمهور المعاصرين، وهو أن كلاً من الأضحية والعقيقة واجب عيني. فالأضحية واجبة عنده على القادر لقوله صلى الله عليه وسلم: "من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا". والعقيقة واجبة لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل غلام رهينة بعقيقته" ، والارتهان يقتضي لزوم الفعل كوجوب فك الرهن المالي.
وبناءً على هذا التأصيل، يطبق الألباني القاعدة الأصولية الحاسمة: "الواجبات المستقلة لا تتداخل ولا يغني بعضها عن بعض". فالشارع قد وجه خطابين مستقلين للمكلف؛ خطاباً بوجوب الأضحية، وخطاباً بوجوب فداء ولده بالعقيقة. وإبراء الذمة من خطابين يقتضي إتيان فعلين مستقلين، ولا يمكن عقلاً ولا شرعاً أن تبرأ الذمة من واجبين بذبح واحد ونية مشتركة. ولخص الألباني ذلك بقوله: "أما من يرى -مثلي أنا- أن كلاً من الأضحية والعقيقة واجبة فلا يغني واجب عن واجب؛ فلا بد من أن يعق ولا بد من أن يضحي".
## المقاربة الفقهية المعاصرة ومناقشة القدرة والوسع المالي
تتطلب معالجة النوازل المعاصرة مراعاة مقاصد المكلفين وقدراتهم المالية، وهو ما نبه عليه الفقهاء عند إيجاد مخرج تعبدي يوفق بين إقامة الشعائر وحماية الأسر من الإعسار والديون :
### التمييز بين الغني الموسر والفقير المعسر
تضع الفتوى المعاصرة حداً فاصلاً بين مرتبتين من المكلفين لضمان بقاء الغاية التعبدية للشعائر دون إرهاق مالي :
* **المكلف الموسر (الغني ذو السعة المالية):** يكره في حقه التشريك والجمع كراهة شديدة، ويقترب المنع من الحرمة عند من يرى الوجوب كالألباني. فالشح المالي وصرف العبادات إلى الاندماج مع القدرة على تفريقها يفوت مقاصد التوسعة وإظهار الشعائر وبذل المال لوجه الله. والأبرأ لذمته والأقرب ليقين القبول أن يأتي بكل نسيكة على حدة تعظيماً لحرمات الله وخروجاً من خلاف الفقهاء الكبار الذين أبطلوا عبادته بالجمع.
* **المكلف المعسر (المحدود الدخل أو الفقير):** يتجه الإفتاء المعاصر لمصلحة هؤلاء المكلفين بالتوسعة والأخذ برخصة التيسير والتشريك المروية عن أئمة التابعين والمعتمدة في المذهبين الحنفي والحنبلي. فإذا لم يكن للوالد سعة مالية لشراء ذبيحتين، ووافق يوم سابع المولود أو أيام النحر العيد السعيد، فله أن يذبح شاة واحدة يشرك فيها نية الأضحية بنية العقيقة. ويحصل له أجر العبادتين تيسيراً عليه، ودفعاً لتعطيل إحدى الشعيرتين، وحماية له من الوقوع في غوائل الاستدانة التي قد تفضي به إلى العجز عن السداد وأكل أموال الناس بالباطل.
## الخلاصة التركيبية للمسألة وعصارة البحث
ينتهي التمحيص الفقهي والأثري لمسألة ضم الأضحية والعقيقة بالنية المشتركة إلى النتائج التركيبية الآتية:
* أن التداخل والتشريك في النية مسألة فقهية سائغة في الاجتهاد، وليست من المسائل التي يثبت فيها إجماع مانع أو موجب، بل يتجاذبها النظر الأصولي بين قواعد التداخل وقواعد استقلال العبادات المقصودة لذاتها.
* أن المانعين للتداخل (الشافعية والمالكية ورواية عن أحمد) يستندون إلى أن كلاً منهما عبادة مقصودة لذاتها وذات سبب مستقل، والتشريك في النية يؤدي إلى إبطال النسكين معاً لفقدان التعيين الخالص.
* أن المجيزين للتداخل (الحنفية والحنابلة وطائفة من السلف) يرون أن المقصود من العبادتين هو إراقة الدم تقرباً لله تعالى في زمن مخصوص، فتدخل إحداهما في الأخرى كتحية المسجد مع الفريضة.
* أن الآثار المروية عن التابعين في الإجزاء ثابتة ثبوتاً صحيحاً لا غبار عليه عن محمد بن سيرين وقتادة وهشام بن حسان بإسناد صحيح مخرج في المصنفات ، بينما لم يثبت الأثر المباشر المرفوع عن الحسن البصري لضعف طرقه وجهالتها.
* أن نقدة الحديث المعاصرين كالشيخ الألباني يميلون إلى المنع المطلق للتشريك بناءً على تقعيد أصولي يرى وجوب الأضحية والعقيقة عيناً، والواجبات المستقلة لا تتداخل شرعاً.
* أن المقاربة الإفتائية الأعدل تنبني على التفريق بين السعة المالية والإعسار؛ فالقادر الموسر يطالب بتفريق النساك خروجاً من الخلاف وإعظاماً للشعائر ، والمعسر العاجز يرخص له بالجمع والتشريك تيسيراً عليه وأخذاً برخص الأئمة الصالحة.
## المصادر والمراجع
1. ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. *تحفة المودود بأحكام المولود*. تحقيق عبد القادر الأرناؤوط. دمشق: دار البيان، 1403هـ - 1983م.
2. البهوتي، منصور بن يونس. *كشاف القناع عن متن الإقناع*. بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.
3. ابن حجر الهيتمي، أحمد بن محمد. *تحفة المحتاج بشرح المنهاج*. بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت.
4. البهوتي، منصور بن يونس. *شرح منتهى الإرادات*. بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.
5. ابن قدامة، موفق الدين عبد الله بن أحمد. *المغني*. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي وعبد الفتاح محمد الحلو. الرياض: دار عالم الكتب، 1417هـ - 1997م.
6. الحطاب، محمد بن عبد الرحمن. *مواهب الجليل في شرح مختصر خليل*. الطبعة الثالثة. بيروت: دار الفكر، 1412هـ - 1992م.
7. البهوتي، منصور بن يونس. *كشاف القناع عن متن الإقناع*. بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.
8. الشوكاني، محمد بن علي. *نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار*. بيروت: دار الجيل، 1973.
9. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. *فتح الباري شرح صحيح البخاري*. بيروت: دار المعرفة، 1379هـ.
10. المباركفوري، محمد عبد الرحمن. *تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي*. بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.
11. الصنعاني، محمد بن إسماعيل الأمير. *سبل السلام شرح بلوغ المرام*. بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت.
12. الكاساني، علاء الدين. *بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع*. بيروت: دار الكتب العلمية، 1406هـ.
13. الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى. *الجامع الكبير (سنن الترمذي)*. تحقيق بشار عواد معروف. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998.
14. السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث. *سنن أبي داود*. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. بيروت: المكتبة العصرية، د.ت.
15. الألباني، محمد ناصر الدين. *إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل*. الطبعة الثانية. بيروت: المكتب الإسلامي، 1405هـ - 1985م.
16. النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب. *السنن الكبرى*. تحقيق حسن عبد الشافي شلبي. بيروت: دار الكتب العلمية، 1991.
17. ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد. *المصنف في الأحاديث والآثار*. تحقيق عبد الخالق الأفغاني. باستان: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، 1406هـ.
18. الصنعاني، عبد الرزاق بن همام. *المصنف*. تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي. بيروت: المكتب الإسلامي، 1403هـ.
19. الصنعاني، محمد بن إسماعيل الأمير. *سبل السلام شرح بلوغ المرام*. بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت.
20. الألباني، محمد ناصر الدين. *سلسلة الهدى والنور* (تسجيلات صوتية). شريط رقم 564، 689.
21. الألباني، محمد ناصر الدين. *سلسلة الأحاديث الصحيحة*. الرياض: مكتب
ة المعارف، 1995.
22. ابن عثيمين، محمد بن صالح. *الشرح الممتع على زاد المستقنع*. الرياض: دار ابن الجوزي، 1422هـ.
تعليقات
إرسال تعليق