# نازلة طواف الإفاضة للحائض عند الاضطرار: دراسة أثرية مقارنة وتطبيقية للمقيمات داخل المملكة ## التكييف الفقهي والأصولي لطواف الإفاضة وطواف الوداع
يتوقف فهم المقاصد الشرعية للأحكام المتعلقة بمناسك الحج على التحديد الدقيق للمفاهيم الفقهية لغوياً واصطلاحياً؛ فالطواف في اصطلاح الفقهاء يطلق على الدوران حول البيت الحرام على وجه مخصوص تعبداً لله عز وجل. أما الإفاضة فهي تعبير عن إسراع الحجيج واندفاعهم من عرفة إلى المزدلفة، أو رجوعهم وانصبابهم من منى إلى مكة يوم النحر لأداء طواف الركن. ومن جماع هذين التعريفين يتضح أن طواف الإفاضة يمثل نقطة الارتكاز المركزية في رحلة الحج، ويُطلق عليه أيضاً طواف الركن، أو طواف الفرض، أو طواف الزيارة. وهو الركن الأعظم الذي لا يصح الحج إلا به، ولا ينوب عنه دم ولا فدية عند عامة الفقهاء. ولا يتحلل المحرم التحلل الأكبر (الثاني) الذي يبيح له معاشرة النساء إلا بتمام هذا الطواف.
في مقابل هذا الركن غير القابل للسقوط، شرع الشارع الحكيم طواف الوداع ليكون آخر عهد الحاج بالبيت الحرام قبيل مغادرته مكة المكرمة. بيد أن هذا الواجب ينفرد بخصائص تخفيفية تراعي الظروف العارضة للمكلفين، حيث قررت الشريعة الإسلامية سقوطه بالكلية عن المرأة الحائض والنفساء دون ترتب أي دم أو فدية عليها. هذا التمييز بين ركن لا يسقط بحال وواجب يسقط بالعذر يمثل المدخل الأساسي لمعالجة النوازل المعاصرة التي تواجهها النساء في الحج.
## تقسيم الأحكام الفقهية للحائض بحسب نوع الطواف الفائت
يتحدد الحكم الشرعي للمرأة الحائض التي طرأ عليها الحيض قبل إتمام طوافي الإفاضة والوداع واضطرت للسفر بناءً على تصنيف النسك الذي فاتها وتحديد طبيعته الجغرافية والإدارية.
### طواف الوداع وسقوطه بالحيض
إذا أدت المرأة طواف الإفاضة وهي في حالة طهر تام، ثم طرأ عليها الحيض قبل مغادرتها مكة وحان وقت سفرها، فإن الحكم الفقهي المستقر هو سقوط طواف الوداع عنها بالكلية. ويجوز لها في هذه الحالة أن تسافر مباشرة مع رفقتها دون لزوم فدية أو دم. ويستند هذا الحكم إلى الدليل الأثري الصريح من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ". ويتكامل هذا الدليل مع إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين صفية بنت حيي رضي الله عنها بالنفير والرحيل دون وداع لمّا علم بحيضها بعد إفاضتها.
### طواف الإفاضة لحائض مقيمة داخل المملكة العربية السعودية
تختلف الأحكام وتتعدد المدارج الفقهية عندما يكون الطواف الفائت هو طواف الإفاضة (الركن)، لاسيما عند تكييف نازلة المرأة المقيمة داخل المملكة العربية السعودية (مثل مدن الرياض، الدمام، أو جدة). فنظراً لسهولة المواصلات والقدرة الإدارية والجغرافية على العودة، تترتب الحلول الفقهية المتاحة لها من الأيسر والأحوط إلى الرخص الاستثنائية على النحو التالي:
* **الحل الأول (الأفضل والأحوط فقهياً): السفر ثم العودة بعد الطهر**
بما أن السائلة تقيم داخل أراضي المملكة العربية السعودية، فإن فتاوى المحققين توجهها إلى ضرورة مغادرة مكة المكرمة برفقة حملتها أو عائلتها مع بقائها متلبسة بإحرامها. ويتحتم عليها في هذه المدة تجنب جميع محظورات الإحرام، وفي مقدمتها المعاشرة الزوجية لكونها لم تتحلل التحلل الثاني. فإذا طهرت تماماً وانقطع دمها، وجب عليها العودة مباشرة إلى مكة المكرمة لتطوف طواف الإفاضة. ولا تحتاج المرأة في هذه الحالة إلى الإحرام من الميقات؛ لكونها ذاهبة لاستكمال نسكها السابق الأصيل وليس لإنشاء عمرة جديدة، وبأدائها لهذا الطواف يتحقق لها التحلل الكامل.
* **الحل الثاني (عند المشقة الشديدة العظيمة وتعذر العودة): الطواف مع التحفظ**
إذا واجهت المرأة المقيمة مشقة عظيمة وظروفاً قاهرة تمنعها تماماً من إمكانية الرجوع إلى مكة في المستقبل القريب (مثل المرض الشديد المقعد، أو انعدام وجود محرم يرافقها في السفر، أو تداخل عوائق نظامية قاهرة) : فقد رخصت طائفة من العلماء المحققين، كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، بأن تتلجم وتتحفظ بما يمنع سيلان الدم وتلويث المسجد، ثم تطوف للإفاضة وهي حائض. ويتأسس هذا المخرج الفقهي على القواعد الشرعية الكبرى مثل "المشقة تجلب التيسير" وأن "الواجبات والشروط تسقط مع العجز وعدم الاستطاعة". ويقع طوافها في هذه الحالة الاستثنائية صحيحاً ويجزئها لإتمام حجها.
## أحكام طواف الحائض عند الأئمة الأربعة والمحققين
تتفاوت مواقف المذاهب الفقهية الأربعة في حكم الطهارة للطواف وتكييف طواف الحائض حال وقوعه، وتتوزع الأحكام بين البطلان المطلق والصحة المشروطة بالكفارة أو الكف عن الإثم.
يذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة في المعتمد عندهم، إلى أن الطهارة من الحيض والنفاس شرط صحة مطلق لا يصح الطواف بدونه. واستدلوا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها عن الطواف حتى تطهر. وبناءً على هذا القول، فإن طواف الحائض يقع باطلاً وفاسداً ولا تبرأ به الذمة. وإذا سافرت المرأة دون طواف الإفاضة، فإن الشافعية والحنابلة يوجبون عليها البقاء على إحرامها والعودة عند الطهر. بينما يتجه المالكية في بعض رواياتهم إلى اعتبارها محصرة إذا عجزت عن العودة؛ فتذبح هدي الإحصار وتقصر وتحل من إحرامها، وتعتبر حجتها تلك غير مجزئة إن كانت حجة الإسلام.
وفي المقابل، تفرد الحنفية برواية مشهورة -وهي وجه معتبر عند الحنابلة وعزاها سحنون لبعض المالكية- تفيد بأن الطهارة من الحيض واجبة من واجبات الطواف وليست شرطاً لصحة الركن. ووفقاً لهذا التأصيل، فإن طواف الحائض يقع صحيحاً وتتحلل به من إحرامها التحلل الكامل، إلا أنها تأثم بدخولها المسجد الحرام وهي حائض. وتلتزم المرأة بناءً على هذا المذهب بذبح كفارة لجبر النقص، وهي بدنة (ناقة أو بقرة) عند الحنفية، أو شاة عند الحنابلة في روايتهم البديلة قياساً على ترك بقية الواجبات.
وتجدر الإشارة إلى مأخذ أثري دقيق نقله ابن حزم عن التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح، حيث ذهب إلى أن المرأة إذا طافت ثلاثة أشواط فصاعداً ثم حاضت، فإن طوافها يجزئها وتتم بقية المناسك. واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الأثر ليبين أن الطهارة ليست شرطاً مطلقاً لصحة الطواف في الصدر الأول من الإسلام، مما يمهد الطريق لإثبات رخصة الضرورة. كذلك يظهر في المذهب المالكي توسع نقله الزرقاني؛ حيث يرى بعض فقهاء المالكية البصريين أن من طاف للقدوم وسعى ثم رجع إلى بلده ناسياً أو جاهلاً أجزأه ذلك عن طواف الإفاضة، ويرون أن عذر الحيض والنفاس أولى وأبلغ في القياس والتيسير من عذر الجهل والنسيان.
## التحول المنهجي ورخصة الاضطرار عند ابن تيمية وابن القيم
أحدث شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم تحولاً منهجياً نوعياً في صياغة الفتوى المتعلقة بطواف الحائض المضطرة. يتلخص موقفهما في أن المرأة إذا حاضت ولم تمكنها الإقامة في مكة المكرمة لانتظار الطهر، وتعذر عليها العودة مستقبلاً (كحال المسافرات إلى أقطار نائية)، فإنها تتحفظ بوضع ما يمنع نزول الدم وتلويث المسجد وتطوف للإفاضة. ويحكم ابن تيمية بصحة طوافها وإجزائه لحجها، ويرى في الراجح من قوله عدم وجوب فدية أو دم عليها؛ استناداً إلى قاعدة "سقوط الواجبات والشروط عند العجز".
وقد انتصر الإمام ابن القيم لهذا المذهب بقوة، وأورد أدلة واسعة تبين أن الطهارة شرط في الطواف، والشروط تسقط بالعجز عنها. وقاس ابن القيم عذر الحائض المعذورة على عذر المستحاضة وعذر من به سلس بول أو جروح سيالة؛ فبما أن هؤلاء يباح لهم الطواف والصلاة مع الحدث القائم للضرورة، فكذلك الحائض التي لا تملك خيار البقاء أو العودة يشرع لها الطواف للضرورة تفعيلاً لقاعدة اتقاء الله بحسب الاستطاعة. وأكد ابن القيم أن هذا الاجتهاد يوافق تماماً قواعد الشرع ويحمي عقود الأنكحة من التعليق الأبدي.
## المنهجية الأثرية عند الشوكاني والصنعاني
اعتمد الإمامان الشوكاني والصنعاني مسلكاً أثرياً يدور مع الأدلة المرفوعة نفياً وإثباتاً دون جمود تقليدي.
ناقش الإمام الشوكاني في كتابه "نيل الأوطار" أحاديث الباب مناقشة أصولية دقيقة. وقرر أن حديث عائشة رضي الله عنها في النهي عن الطواف صريح في إفادة بطلان طواف الحائض وفساده؛ نظراً لأن النهي المطلق يقتضي الفساد في العبادات، وهو ما يتوافق مع مذهب الجمهور. بيد أن الشوكاني في معالجته للتعارض بين الأدلة دفع نحو تلمس مخارج التيسير للمكلفين عند قيام الموانع القاهرة والاضطرار التام.
أما الإمام الصنعاني في "سبل السلام"، فقد تتبع الروايات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة حج النساء وطهارتهن. ورجح الصنعاني مذهب الجمهور القائل باشتراط الطهارة لصحة الطواف، ورد على مذهب الحنفية مبيناً أن حديث "أحابستنا هي" نص صريح في إلزام الحائض بالحبس والانتظار حتى تطهر وتطوف طواف الإفاضة. غير أن الصنعاني، في سياق تتبع فروع المسألة، استعرض فتاوى التيسير لشيخ الإسلام ابن تيمية، مبيناً تماشيها مع روح الشريعة السمحة وسقوط الواجبات حال الاضطرار التام وعجز المكلف عن الإتيان بها.
## الموقف المقيد لفضيلة الشيخ الألباني
ينفرد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بموقف أصولي حازم حيال هذه النازلة؛ حيث يرى صراحة بطلان طواف الحائض وعدم جوازه مطلقاً، رافضاً الترخص بفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية أو الشيخ عبد العزيز بن باز في هذه القضية.
يؤسس الشيخ الألباني مذهبه على أن الطهارة شرط ركني لصحة الطواف والسعي على حد سواء. ويرى أن السعي يتبع الطواف في اشتراط الطهارة لكونه سُمي طوافاً في القرآن الكريم ولأنه تابع له في النسك. ومن دقة اختيارات الألباني الأثرية في أحكام الطهارة:
* **انتقاض الوضوء أثناء الطواف:** يرى الألباني أن من انتقض وضوؤه أو أغمي عليه أثناء الطواف، يلزمه قطع الطواف والوضوء، ثم **يبني ويتم** طوافه من الموضع الذي انتقض فيه وضوؤه (كالركن اليماني مثلاً) دون حاجة لإعادة الطواف من بدايته.
ويرى الألباني أن مبررات السفر وفوات الرفقة لا تنهها مسوغاً شرعياً لإباحة طواف الحائض بالبيت. وصاغ الألباني قياساً جدلياً أثرياً يسقط دعوى الضرورة؛ حيث يتساءل: لو أصيبت هذه المرأة بكسر بدني أو مرض شديد ألجأها للمستشفى، أليست الرفقة ستضطر للتأخر والانتظار؟. وبناءً عليه، فإن موانع الدين وأوامر الشارع الحكيم أولى بالرعاية والانتظار من موانع الأبدان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "دين الله أحق أن يقضى".
وعليه، فإن المخرج الفقهي عند الألباني للحائض التي اضطرت للسفر قبل الطواف ينحصر في أمرين:
* **الأول:** أن تسافر مع رفقتها مع بقائها على إحرامها وتجنبها المعاشرة الزوجية، ثم تعود فور طهرها لتطوف طواف الإفاضة.
* **الثاني:** إذا استحال عليها العودة بالكلية، فإنها تُكيف فقهياً باعتبارها "محصرة". وعليها في هذه الحالة ذبح هدي المحصر (شاة) والتحلل من إحرامها، ولا تُحسب لها هذه الحجة إن كانت حجة الإسلام الفريضة، بل تبقى في ذمتها حتى تستطيع أداءها مستقبلاً.
## تحليل حديث صفية بنت حيي رضي الله عنها
يُمثل حديث أم المؤمنين صفية بنت حيي رضي الله عنها المحور الأثري الأساسي الذي استندت إليه المذاهب الفقهية في بناء وتفريع أحكام الحائض في النسك.
### شرح متن الحديث ودلالاته الأصولية
يروي الحديث الشريف أن صفية بنت حيي رضي الله عنها حاضت في حجة الوداع ليلة النفر بعدما أفاضت وطافت بالبيت يوم النحر. فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بحيضها، وبناءً على ما استقر في التشريع من منع الحائض من الطواف، قال مستفهماً بصيغة التعجب والاهتمام بأمر العبادة: "عَقْرَى حَلْقَى، أحابستنا هي؟". وظن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لم تطف طواف الإفاضة (الركن)، مما كان سيفرض عليه وعلى القافلة بأكملها البقاء بمكة المكرمة وحبس الركب حتى تطهر وتغتسل وتطوف. فلما قيل له: "إنها قد أفاضت يوم النحر", قال صلى الله عليه وسلم: "فلتنفر إذاً".
تنبثق من هذا المتن دلالات تشريعية وأصولية بالغة الأهمية:
* **وجوب طواف الإفاضة:** تفيد الجملة الاستفهامية "أحابستنا هي؟" أن طواف الإفاضة ركن حتمي لا يسقط بأي عذر، ويجب لأجله حبس الولي والرفقة لانتظار طهر المرأة.
* **سقوط طواف الوداع:** يدل قوله "فلتنفر إذاً" على أن طواف الوداع رخصة تسقط عن الحائض بلا دم ولا جبران.
* **حرمة دخول المسجد للحائض:** يُفهم من ثنايا الحديث منع الحائض من المكث في المسجد الحرام للعبادة أو الطواف حال الاختيار.
* **قبول خبر النساء:** إقرار النبي صلى الله عليه وسلم وإلزام الركب بالتأخر بمجرد إخبار صفية بحيضها يدل على قبول وتصديق دعوى المرأة في شؤون الجبلة كالطمث والحمل والعدة.
### دراسة إسناد الحديث وتراجم رجاله
ورد الحديث في صحيح الإمام البخاري تحت سند متصل يجمع نخبة من أئمة الأثر ورواد الرواية في القرون المفضلة. وتفصيل إسناده وتراجم رجاله يعزز القيمة الأكاديمية للدراسة:
* **عبد الله بن يوسف التنيسي:** هو عبد الله بن يوسف، أبو عمر الكلاعي الدمشقي ثم التنيسي (المتوفى سنة ٢١٨ هـ). من أخص تلاميذ الإمام مالك بن أنس وأثبت الناس في رواية كتاب الموطأ عنه. قال عنه يحيى بن معين: "أثبت الناس في الموطأ عبد الله بن يوسف". واعتمد عليه البخاري كشيخ مباشر وروى عنه أصول السنن في صحيحه لشدة ضبطه وتحريه الصدق والورع.
* **الإمام مالك بن أنس:** هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة (٩٣ هـ - ١٧٩ هـ). صنف كتاب "الموطأ" الذي اعتبره العلماء أصح كتاب على وجه الأرض في وقته. تميز بالتشدد البالغ في نقد الرجال والتحري في الرواية عن الثقات الأثبات.
* **عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق:** هو الفقيه المحدث الثقة، عبد الرحمن بن القاسم بن محمد المدني. تميز بالورع وغزارة العلم، وهو يروي في هذا الإسناد عن أبيه القاسم عن عمته عائشة رضي الله عنها.
وينبغي التمييز الدقيق بينه وبين رفيقه في الإرث الفقهي **عبد الرحمن بن القاسم العُتَقي المصري** (المتوفى سنة ١٩١ هـ)، وهو تلميذ الإمام مالك وصاحب "المدونة الكبرى" في الفقه المالكي. فالأخير عالم ومفتٍ مصري رحل إلى المدينة ولازم مالكاً لسنوات، وعُرف بتمسكه بالزهد والعبادة والامتناع عن قبول جوائز الحكام. وقد وصفه مالك بـ "جراب مملوء مسكاً" دلالة على رسوخ قدمه في الفقه وحفظ الرواية.
* **القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق:** هو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة النبوية، ومن كبار التابعين ورعاً وحفظاً وعقلاً (المتوفى سنة ١٠٦ هـ). تربى في كنف عمته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فتلقى عنها تفاصيل السنن النبوية وأحكام النساء الخاصة، ونقلها بضبط دقيق شهد له به معاصروه.
* **أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق:** الصديقة بنت الصديق، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وأفقه نساء الأمة على الإطلاق. حملت إلينا السنن الفعلية والقولية المتعلقة بالطهارة والنسك، وكانت الفتاوى تدور عليها في عهد الصحابة رضي الله عنهم.
* **أم المؤمنين صفية بنت حيي:** هي صفية بنت حيي بن أخطب، من سبط نبي الله هارون بن عمران عليه السلام، اصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه وتزوجها بعد غزوة خيبر. كانت رضي الله عنها ذات فضل وعقل وجمال، وقصتها الفقهية في حجة الوداع ليلة النفر أثمرت تشريعاً خالداً يخص رخص النساء الحُيَّض في المناسك.
## استنتاجات وتوصيات تطبيقية معاصرة
تتجلى من خلال هذه الدراسة التحليلية المقارنة جملة من التوصيات الفقهية المعاصرة التي تساهم في تقديم حلول عملية واضحة ومسؤولة للنائبات المعاصرات في ضوء الواقع الجغرافي والإداري للمقيمات داخل المملكة العربية السعودية:
* **صيانة شرطية الطهارة للمقيمات:** نظراً لسهولة السفر والعودة وملاءمة البنية التحتية والمواصلات داخل المملكة، يتعين الفتيا بعدم جواز الترخص بطواف الحائض وهي متلبسة بالحيض للمقيمات داخل أراضي المملكة لانتفاء وصف الاضطرار الحقيقي والملجئ في حقهن.
* **تنظيم إتمام النسك إدارياً:** يوصى للمقيمة التي حاضت قبل طواف الإفاضة بالخروج مباشرة لبلدها مع تجنب محظورات الإحرام الكبرى (المعاشرة الزوجية)، ثم الترتيب للعودة فور الطهر لأداء طواف الإفاضة مباشرة دون الحاجة لعمرة أو إحرام جديد.
* **اعتماد الحلول الدوائية والوقائية:** تفعيل الخيار الوقائي المتمثل في حث النساء طبياً على استعمال الحبوب والوسائل الطبية الآمنة التي تؤخر طمثهن قبل دخول أيام الحج؛ تلافياً للوقوع في الحرج وتجنباً لقطع الرفقة.
* **حصر رخص المشقة بالآفاقيات:** تظل فتاوى التيسير لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم قائمة وموجهة للضرورات القصوى التي تواجه المسافرات القادمات من بلاد نائية (كشرق آسيا والأمريكيتين)، ممن يستحيل في حقهن العودة إدارياً ومالياً وتتعلق شؤون حياتهن وأزواجهن بإتمام النسك التام.
## المصادر والمراجع
تم صياغة وتوثيق كافة المصادر والمراجع توثيقاً أكاديمياً كاملاً وفقاً لنظام شيكاغو المعتمد (Chicago Manual of Style):
1. السرخسي، محمد بن أحمد. *المبسوط*. بيروت: دار المعرفة، 1993.
النووي، يحيى بن شرف. *المجموع شرح المهذب*. جدة: مكتبة الإرشاد، د.ت.
البعلي، أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح. *المطلع على ألفاظ المقنع*. الرياض: مكتبة الرشد، 2003.
2. ابن قدامة المقدسي، موفق الدين عبد الله بن أحمد. *المغني*. القاهرة: دار الحديث، 2004.
البهوتي، منصور بن يونس. *كشاف القناع عن متن الإقناع*. بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.
3. "حكم طواف الإفاضة للحائض عند الاضطرار والسفر." *الإسلام سؤال وجواب*، فتوى رقم 112271. تاريخ الوصول 28 مايو 2026. https://islamqa.info/ar/answers/112271.
4. "ركن الحج طواف الإفاضة لا يتحلل المحرم بدونه." *الإسلام سؤال وجواب*، فتوى رقم 278402. تاريخ الوصول 28 مايو 2026. [https://islamqa.info/ar/answers/278402](https://islamqa.info/ar/answers/278402).
5. البخاري، محمد بن إسماعيل. *صحيح البخاري*. تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر. بيروت: دار طوق النجاة، 1422هـ. (كتاب الحج، باب طواف الوداع، رقم الحديث 1757).
6. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. *فتح الباري شرح صحيح البخاري*. بيروت: دار المعرفة، 1379هـ.
7. النووي، يحيى بن شرف. *المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج*. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1392هـ. (باب المرأة تحيض قبل أن تودع).
8. الألباني، محمد ناصر الدين. "المناسك التي تسقط عن الحائض." *سلسلة الهدى والنور*. شريط رقم 231.
9. ابن عباس، عبد الله. "حديث خفف عن الحائض والنفساء." *صحيح البخاري*، كتاب الحج، رقم الحديث 1757.
10. البخاري، محمد بن إسماعيل. *صحيح البخاري*. كتاب الحج، باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت، رقم الحديث 4401.
11. مسلم بن الحجاج. *صحيح مسلم*. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت. (كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، رقم الحديث 1211).
12. ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. *مجموع الفتاوى*. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1995.
13. ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. *شرح عمدة الأحكام*. تحقيق وتخريج جهاد بن محمد الحائل. الرياض: دار العاصمة، 1418هـ.
14. الزرقاني، محمد بن عبد الباقي. *شرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل*. بيروت: دار الكتب العلمية، 2002.
15. سندي، صالح بن عبد العزيز بن عثمان. *مسألة طواف الحائض المعذورة حال الاضطرار*. الرياض: دار مدار الوطن للنشر، 2012.
16. ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. *إعلام الموقعين عن رب العالمين*. تحقيق محمد عبد السلام شاهين. بيروت: دار الكتب العلمية، 1996.
17. الأمير الصنعاني، محمد بن إسماعيل. *سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام*. تحقيق وتخريج محمد ناصر الدين الألباني. الرياض: مكتبة المعارف، 2002.
18. الشوكاني، محمد بن علي. *نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار*. بيروت: دار الجيل، 1973.
19. الأمير الصنعاني، محمد بن إسماعيل. *البدر التمام شرح بلوغ المرام*. تحقيق قسم البحث العلمي بدار الفكر. بيروت: دار الفكر، 2004.
20. الأمير الصنعاني، محمد بن إسماعيل. *سبل السلام*. "فصل طواف الحائض والجنب والمحدث"، الجزء 2.
21. الألباني، محمد ناصر الدين. "حكم طواف الإفاضة للحائض للضرورة." *سلسلة الهدى والنور*. شريط رقم 183.
22. الألباني، محمد ناصر الدين. "فتاوى الحج والعمرة والضرورات الإدارية." *سلسلة الهدى والنور*. شريط رقم 198.
23. الألباني، محمد ناصر الدين. *تمام المنة في التعليق على فقه السنة*. الرياض: دار الراية، 1999.
24. الألباني، محمد ناصر الدين. *سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة*. الرياض: دار المعارف، 1992.
25. الألباني، محمد ناصر الدين. "أحكام طهارة النساء في المسجد." *متفرقات الألباني*. شريط رقم 224، وشريط رقم 226.
26. النووي، يحيى بن شرف. *المجموع شرح المهذب*. كتاب الاعتكاف، "باب طهارة المعتكف واللبث في المسجد الحرام"، الجزء 6.
27. الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد. *سير أعلام النبلاء*. تحقيق مجموعة من المحققين بإشراف شعيب الأرنؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1985. (ترجمة الإمام عبد الرحمن بن القاسم العتقي المصري، الجزء 8).
تعليقات
إرسال تعليق