# نوازل الترتيب الشعائري في صلاة العيدين: دراسة فقهية وحديثية مقارنة لتقديم الخطبة على الصلاة ## التأصيل التاريخي والشعائري لترتيب صلاة العيدين


تعد صلاة العيدين من الشعائر الظاهرة التي تميزت بهيئتها وتفاصيلها التعبدية في تاريخ التشريع الإسلامي.  وقد استقر العمل في العهد النبوي الشريف وخلافة الصديق وعمر وفاتحة عهد عثمان على أداء صلاة العيد أولاً ثم تليها الخطبة وعظاً وتذكيراً.  ويدل على هذا الترتيب المتواتر ما رواه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة».  ويشير التتبع التاريخي إلى أن هذا الترتيب ليس مجرد تنظيم إجرائي، بل هو جزء من البناء التوقيفي للشعيرة، حيث تفتتح الصلاة بغير أذان ولا إقامة ، تليها التكبيرات الزوائد التي يبلغ مجموعها 12 تكبيرة في الركعتين ، بواقع 7 تكبيرات في الركعة الأولى تلي تكبيرة الإحرام، و5 تكبيرات في الركعة الثانية تلي تكبيرة القيام. 

إلا أن مسار هذا الترتيب شهد تحولاً تدريجياً في العهد الأموي.  وتعددت روايات المؤرخين والمحدثين في تعيين أول من أحدث تقديم الخطبة على الصلاة في العيد.  فبينما يرى البعض أن عثمان بن عفان رضي الله عنه فعل ذلك أحياناً لما رأى أناساً يفوتهم حضور الصلاة بسبب تباعد منازلهم، فأراد مصلحتهم ليدركوا الفريضة ، فإن المحققين يضعفون ثبوت ذلك عنه وعن عمر بن الخطاب.  وتتجه الروايات المصححة إسنادياً إلى أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه هو أول من سن هذا التقديم بصفة مستمرة ، وتبعه في ذلك عماله مثل مروان بن الحكم في المدينة المنورة وزياد بن أبيه في البصرة.  وكان الباعث وراء هذا التغيير غرضاً سياسياً وإدارياً؛ إذ لاحظ الولاة انصراف الناس فور انقضاء الصلاة لعدم رغبتهم في الاستماع لبعض المضامين الخطابية، فقدموا الخطبة لضمان سماع المجتمع وتأمين حضوره. 

## مذهب الإمام ابن حزم الأندلسي ودلالات مقولته الأثرية

تتسم المدرسة الظاهرية بالوقوف الصارم عند ظواهر النصوص ورفض أي تبديل أو تأويل في تفاصيل الشعائر التعبدية.  وفي هذا السياق، تبرز مقولة الإمام ابن حزم الأندلسي في كتابه الحافل *المحلى بالآثار* حيث نص جازماً: «ولا يجوز الخطبة قبل الصلاة، ومن فعل ذلك لا يجوز الاستماع له».  ويعتمد تحليل هذا الموقف الأصولي على فكرة أن العبادات مبناها على التوقيف المحض.  ويرى ابن حزم أن تقديم الخطبة على الصلاة يخرجها عن صفتها الشرعية المحددة نبوياً، وبذلك «فليست خطبة» من الناحية الفقهية. 

ويمتد هذا التأصيل عند ابن حزم إلى تحريم استماع المأمومين لهذه الخطبة المقدمة.  فالاستماع للشعائر الفاسدة أو المبدلة يعتبر إقراراً بالبدعة ومشاركة فيها.  وبما أن الشارع الحكيم لم يشرع الاستماع لخطبة العيد إلا بعد الفراغ من الصلاة، فإن إقامة الخطبة قبلها يعد لغواً وإحداثاً في الدين.  وتخالف هذه الرؤية الظاهرية الصارمة مواقف كثير من الفقهاء الذين يكتفون بوصف هذا الفعل بالكراهة أو عدم السنية، بينما يرتقي به ابن حزم إلى رتبة البطلان وعدم جواز الإنصات، مما يعكس اتساق منهجه في محاربة المحدثات الشعائرية والالتزام الدقيق بالآثار المسندة.

## موقف الأئمة الأربعة وصاحب المغني ابن قدامة المقدسي

أطبقت المذاهب الأربعة المتبوعة على أن تقديم الخطبة على صلاة العيدين بدعة مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.  ومع هذا الاتفاق الأصولي، تباينت وجهات نظرهم في الآثار المترتبة على هذه المخالفة من حيث الاعتداد بالخطبة وسقوط واجب الإنصات. 

وفي هذا الإطار، حرر الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي في كتابه *المغني* هذه النازلة الفقهية تفصيلاً.  ويقرر ابن قدامة أن من خطب قبل الصلاة فهو كمن لم يخطب بالكلية؛ لأن الخطبة وقعت في غير محلها الشرعي المعتمد.  ويشبه ابن قدامة هذا الصنيع بمن خطب للجمعة بعد الصلاة، حيث لا يعتد بعمله لفوات الترتيب المستحق.  ويبين في *المغني* الحكمة الكامنة وراء تقديم الصلاة على الخطبة في العيد بعكس الجمعة؛ فالجمعة صلاة فرض والخطبة شرط لصحتها فقدمت عليها ، بينما خطبة العيد سنة غير واجبة ولا يشترط حضورها أو الاستماع إليها.  ولذلك أخرت الخطبة في العيد ليكون المكلف مخيراً بين البقاء للاستماع وهو الأفضل، وبين الانصراف لقضاء شؤونه، كما ثبت في حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه. 

وبناءً على التحقيق المقارن لأقوال المذاهب الفقهية، تتبلور مواقف الأئمة الأربعة والإمام ابن حزم على النحو التالي:

فالحنفية يرون أن تقديم الخطبة على الصلاة بدعة مكروهة لمخالفتها التواتر العملي، ومع ذلك فإن الصلاة تصح وتجزئ مع الكراهة، ولا يجب على المأمومين الإنصات للخطبة بل يشرع لهم الانصراف الفوري. والمالكية يذهبون إلى أن التقديم مخالفة صريحة للعمل المتوارث وبدعة شعائرية، وتصح صلاة المأمومين خلفه إلا أنه لا يعتد بهذه الخطبة ويسقط وجوب الاستماع والإنصات مع بقاء رخصة الانصراف مستحبة وقائمة. أما الشافعية، فيعدون تقديم الخطبة بدعة منكرة ومخالفة صريحة لأركان الشعيرة المعتمدة، وتصح الصلاة مع بطلان الخطبة وعدم الاعتداد بها مطلقاً، ويسقط فرض الاستماع والإنصات ويحرم إجبار المصلين على البقاء. وبالمثل، يقرر الحنابلة أن هذا الصنيع مبدل للترتيب الشعائري وغير مشروع، وتصح صلاة المصلين بينما يقع فعل الخطيب لغواً، ولا يجب الإنصات له مطلقاً لعدم وجوب الخطبة أصلاً. وفي المقابل، يتفرد الإمام ابن حزم والظاهرية بالقول إن تقديم الخطبة محرم وبدعة مفسدة للشعيرة، وتصح صلاة المأمومين بينما تقع الخطبة باطلة لا يعتد بها، ويحرم الاستماع لها تجنباً لإقرار البدعة، ويكون الانصراف واجباً في حق المكلفين.

## مدرسة التحقيق السلفي: ابن تيمية وابن القيم

أولى شيخ الإسلام ابن تيمية مسألة الحفاظ على السنن التوقيفية عناية فائقة في مصنفاته وفتاواه.  ويرى ابن تيمية أن العبادات التي شرعها الشارع ليس لأحد تغيير صفاتها أو تقديم أجزائها وتأخيرها بناءً على المصلحة المتوهمة.  ويعتبر أن ما أحدثه بعض الأمراء من تقديم خطبة العيد، أو إدخال الأذان والإقامة فيها، هو من البدع المستقبحة التي أنكرها الصحابة والتابعون ولم يقروا فاعلها.  ويؤكد ابن تيمية أن صلاة العيد فرض كفاية أو فرض عين في أصح القولين ، وتبديل معالمها الظاهرة يقدح في جوهر العبادة وهيئتها المأمور بها. 

أما تلميذه ابن القيم الجوزية، فقد تناول المسألة من منظار الهدي العملي للنبي صلى الله عليه وسلم في كتابه *زاد المعاد*.  وركز ابن القيم على تفكيك التغيير المادي والمعنوي الذي طرأ على صلاة العيد.  وأوضح أن السنة المستقرة هي الصلاة على الأرض في المصلى بغير منبر يُنقل أو يُبنى.  وناقش التأويلات الفقهية التي حاولت تبرير وجود المنبر مستندة إلى روايات ضعيفة أو nصوص محرفة، مبيناً أن بناء منبر من طين ولبن كما فعل كثير بن الصلت بطلب من مروان بن الحكم كان مصاحباً لتقديم الخطبة وممهداً لها.  وخلص ابن القيم إلى أن الالتزام بساحة المصلى المفتوحة والصلاة قبل الخطبة هو الهدي المحفوظ الذي لا يسوغ العدول عنه لأي غرض تنظيمي. 

## قراءة في فقه أئمة الأثر: الشوكاني والصنعاني والألباني

استمر المحققون من أئمة الأثر في العصور المتأخرة في تتبع هذه النازلة وتعميق التحليل الفقهي لها:

 * ** can**الإمام الشوكاني في نيل الأوطار**: يقرر الشوكاني بطلان الاعتداد بالخطبة إذا سَبقت الصلاة، مؤكداً أن السعي لتجميع الناس بوسائل مبتدعة يخالف مقاصد التشريع.  ويرى أن إنكار الصحابة كأبي سعيد الخدري رضي الله عنه يعد دليلاً قاطعاً على بطلان صنيع مروان ومعاوية، وأن البدعة لا تنقلب سنة لمجرد ممارستها من قبل ولاة الأمر أو استمرار العمل بها في بعض الحقب. 

 * **الإمام الصنعاني في سبل السلام**: ركز الصنعاني على مناقشة علة تقديم الخطبة المتمثلة في عدم جلوس الناس لها.  واعتبر هذا التبرير مسلكاً يعكس عدم فهم طبيعة الرخص الشرعية؛ فالشارع جعل حضور الخطبة نافلة، ومحاولة إلزام الناس بسماعها عن طريق حرمانهم من الصلاة أولاً يعد التفافاً على التشريع وتكليفاً بما لم يوجبه الله، وهو جوهر الابتداع. 

 * **المحدث محمد ناصر الدين الألباني**: اتخذ الألباني موقفاً حازماً اتجاه بدع العيدين والجمعة.  وقارن بين تقديم خطبة العيد وبين الوعظ المبتدع المنظم قبل خطبة الجمعة الرسمية، مبيناً أن كِلا الصنيعين يشوش على المصلين ويحدث هيئة شعائرية مخترعة لم تثبت في الصدر الأول.  وعزز الألباني حكم ابن حزم ببطلان الخطبة المبتدعة وضرورة إنكارها صيانة لجناب السنة النبوية الشريفة. 

## شرح الحديث وتراجم رجال الإسناد

يعد حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في مواجهة مروان بن الحكم عمدة الباب في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحفاظ على هيئة صلاة العيدين.  وفيما يلي شرح وافٍ للحديث وتفصيل لأحوال رجاله الأعلام المذكورين في إسناده:

أخرج الإمام مسلم في صحيحه من طريق طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري قال: «أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة! فقال: قد تُرِك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده...». 

ويكشف الشرح التحليلي للحديث عن حجم الصراع المنهجي بين الصحابة والولاة حول حماية السنن.  فقول مروان «قد تُرِك ما هنالك» يشير إلى استعلاء السلطة الإدارية وتجاوزها للترتيب النبوي بذريعة تغير مصلحة الرعية.  ورد الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه بالقول «لا تأتون بخير مما أعلم» يمثل قاعدة ذهبية في تقديم النقل والاتباع على العقل والابتداع.  وكان ثناء أبي سعيد على الرجل العامي الذي اعترض على الأمير بقوله «أما هذا فقد قضى ما عليه» تأصيلاً لوجوب صدع الأمة بالحق أمام أصحاب السلطان إذا غيروا معالم الشريعة. 

ولأجل بيان المسار الإسنادي ونقلة هذا الأثر العظيم، نسرد تراجم رجال هذا الإسناد الرفيع وسيرهم العلمية بالتفصيل:

 * **أبو سعيد الخدري (سعد بن مالك بن سنان)**: صحابي جليل من المكثرين، عدل بتعديل الشارع الحكيم، ومن علماء الصحابة ومفتيهم في المدينة، صاحب واقعة الإنكار المشهورة على مروان. 

 * **طارق بن شهاب البجلي الأحمسي (أبو عبد الله الكوفي)**: ثقة ثبت لقي النبي صلى الله عليه وسلم وغزا في خلافة الصديق. صحابي له رؤية، وروايته مرسل صحابي مقبول. سكن الكوفة، وغزا 33 أو 43 غزوة وسرية في عهد أبي بكر وعمر، وروى عنه قيس بن مسلم. 

 * **قيس بن مسلم الجدلي (أبو عمرو الكوفي)**: ثقة ثبت من خيار التابعين، ومن أئمة الحديث الكوفيين. روى عنه شعبة وسفيان وغيرهما، واحتج به أصحاب الكتب الستة في مصنفاتهم. 

 * **الأعمش (سليمان بن مهران الأسدي الكوفي)**: ثقة ثبت محدث الكوفة وقارئها، إمام ثقة يدلس وتفرده يمحص. من كبار التابعين، يروي عن إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدي. 

 * **إسماعيل بن رجاء الزبيدي (الكوفي)**: ثقة صدوق من طبقة أتباع التابعين، محتج به عند مسلم وأصحاب السنن. يروي هذا الحديث عن أبيه رجاء بن ربيعة الزبيدي الكوفي. 

 * **رجاء بن ربيعة الزبيدي (أبو إسماعيل الكوفي)**: ثقة مقبول من طبقة كبار التابعين، ناقل الحديث عن الصحابي أبي سعيد الخدري. وثقه النسائي والدارقطني وغيرهما من أئمة الفن الحديثي. 

## سؤال وجواب: مناقشة أصولية ومقاصدية معمقة

في هذا القسم، يتم طرح مناقشة علمية تفاعلية تفكك الإشكالات المرتبطة بتبديل الترتيب الشعائري لصلاة العيدين:

**السائل**: كيف يمكن التوفيق بين الرواية التي تنسب تقديم الخطبة إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، والروايات الأخرى التي تنسبها إلى معاوية ومروان بن الحكم، وهل صنيع عثمان يسوغ الاحتجاج به؟

**المجيب**: يقرر الحافظ ابن حجر العسقلاني في *فتح الباري* جمعاً علمياً رصيناً لهذه المسألة؛ فالرواية المسندة بإسناد صحيح إلى الحسن البصري تفيد بأن عثمان بن عفان رضي الله عنه صلى بالناس ثم خطب على العادة، فلما رأى ناساً يدركون الخطبة وتفوتهم الصلاة بسبب بعد منازلهم وتأخرهم، صار يخطب أحياناً قبل الصلاة تيسيراً عليهم لإدراك الفريضة.  فهذا كان اجتهاداً إدارياً عارضاً ونادراً روعي فيه مصلحة المأمومين في إدراك أصل العبادة.  أما معاوية ومروان، فقد واظبوا على التقديم وجعلوه سنة راتبة، وعلتهم في ذلك كانت إلزام الناس بسماع خطبتهم الخاصة، وهو دافع يختلف تماماً عن دافع عثمان.  ولذلك أنكر الصحابة على مروان أشد الإنكار ولم ينكروا على عثمان، لأن فعل مروان كان تبديلاً تشريعياً دائماً لغرض غير شعائري، بينما كان فعل عثمان تصرفاً نادراً مبنياً على تقدير المصلحة التعبدية للرعية، والمعول عليه في النهاية هو الهدي النبوي المستمر الذي نقله ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم. 

**السائل**: إذا كانت خطبة العيد سنة غير واجبة في أصلها، فلماذا استحق تقديمها على الصلاة هذا الإنكار البالغ من الصحابة، حتى عُد ذلك منكراً يغير باليد واللسان ويطبق عليه حديث «من رأى منكم منكراً فليغيره»؟

**المجيب**: تكمن الإجابة في التفريق الدقيق بين حكم ذات الشعيرة وبين حكم تغيير بنيتها وهيئتها التوقيفية.  فالخطبة وإن كانت في ذاتها سنة غير واجبة الحضور ، إلا أن وضعها في الشريعة مؤخرة عن الصلاة هو أمر توقيفي مسنون.  وتغيير هذا الموضع بتقديمها يعد تشريعاً جديداً لم يأذن به الله، وهو من صميم البدع الإضافية.  والبدعة في الدين منكر عظيم، وإن كانت في أصلها مرتبطة بفعل مسنون؛ لأن خطر البدعة يكمن في مآلها الذي يؤدي إلى خلط المشروع بالمخترع واندراس معالم السنة.  ولذلك واجه الصحابة كأبي سعيد الخدري رضي الله عنه هذا التغيير بقوة؛ لأن السكوت عن تبديل الهيئات يفتح باباً لا ينغلق في تغيير أوقات وأركان سائر العبادات تذرعاً بالملائمات الاجتماعية والمصالح السياسية. 

**السائل**: يتردد في بعض الآثار الفقهية أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه خطب قبل صلاة العيد أول النهار وصوب فعله عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قائلاً «أصاب السنة»، فكيف يستقيم هذا مع القول ببطلان تقديم الخطبة؟

**المجيب**: يحل هذا الإشكال بالوقوف على سياق الحادثة التاريخية وتفاصيلها الفقهية؛ فقد اجتمع في ذلك اليوم عيدان (عيد فطر أو أضحى ويوم جمعة).  فخرج ابن الزبير رضي الله عنه أول النهار فصلى بالناس صلاة العيد وخطبهم، ثم لم يخرج لصلاة الجمعة واكتفى بالظهر في منزله أو أجزأته صلاة العيد عن الجمعة والظهر بناءً على مذهبه الأصولي.  وتصويب ابن عباس لقوله «أصاب السنة» لم يكن متوجهاً إلى تقديم الخطبة على الصلاة مطلقاً، بل كان متوجهاً لرخصته في سقوط فريضة الجمعة عمن شهد صلاة العيد في ذلك اليوم، وهو حكم ثابت مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.  وهناك توجيه آخر بأن صنيع ابن الزبير كان صلاة جمعة قدمها أول النهار رخصة بناءً على ما يراه الحنابلة من جواز تقديم الجمعة قبل الزوال، فكان الترتيب فيها طبيعياً بتقديم الخطبة تليها الصلاة.  وفي كِلا التقديرين، يرتفع الإشكال ولا ينهض هذا الأثر مستنداً لتجويز تقديم خطبة العيد على صلاتها في الأحوال العادية. 

**السائل**: هل يصح فقهياً قياس خطبة صلاة الاستسقاء على خطبة صلاة العيدين في مسألة التقديم والتأخير؟

**المجيب**: يختلف البناء الأصولي لصلاة الاستسقاء عن صلاة العيدين لوجود آثار متنوعة في الباب؛ فبينما استقر الترتيب في العيدين على تأخير الخطبة قولا واحداً , وردت في صلاة الاستسقاء صفتان مسندتان عن النبي صلى الله عليه وسلم.  فالرواية الأولى تفيد بأنه صلى ركعتين ثم خطب وحول رداءه ، والرواية الثانية المستندة لحديث عبد الله بن زيد تفيد بأنه بدأ بالخطبة والدعاء واستقبال القبلة ثم صلى ركعتين.  ولذلك ذهب المحققون كالإمام ابن تيمية والشيخ ابن باز إلى أن الأمر في الاستسقاء واسع ، ويستحب للإمام أن يفعل هذا تارة وهذا تارة أخرى لإحياء السنن المتنوعة الواردة.  وبناءً عليه، لا يصح قياس العيدين على الاستسقاء؛ لأن العيدين لم يثبت فيهما إلا صفة تأخير الخطبة، والقول بالقياس مع الفارق وسقوط دلالة النص يعد مسلكاً مردوداً في أصول الفقه. 

**السائل**: ما حكم من فاتته صلاة العيد مع الإمام بسبب هذا الاضطراب الشعائري أو لغيره من الأعذار، وكيف يقضيها؟

**المجيب**: اختلفت مذاهب السلف والفقهاء في كيفية قضاء صلاة العيد لمن فاتته على أقوال متعددة :

 * **القول الأول**: يقضيها ركعتين على صفتها الأصلية بالتكبيرات الزوائد.  وهو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد وصححه البخاري في جامعه ، استناداً لفعل أنس بن مالك رضي الله عنه عندما كان يجمع أهله وبنيه في منزله ويصلي بهم ركعتين كصلاة أهل المصر وتكبيرهم. 

 * **القول الثاني**: يقضيها أربع ركعات بغير تكبيرات زوائد كصلاة الظهر.  وهو مذهب الثوري وأحمد في الرواية المشهورة عنه ، مستندين لقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «من فاته العيد مع الإمام فليصل أربعاً». 

 * **القول الثالث**: لا يقضيها أصلاً.  وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والمزني وداود الظاهري واختاره العثيمين ؛ لأن صلاة العيد صلاة اجتماع شرعت على وجه الخصوص مع الإمام، فإذا فات هذا الاجتماع سقطت لفوات علة تشريعها ولا يصح قياسها على الجمعة التي لها بدل فرض وهو الظهر. 

## الهوامش والتعليقات

موفق الدين ابن قدامة المقدسي، *المغني* (الرياض: دار عالم الكتب، 1997)، 2:272.

 تقي الدين أحمد بن تيمية، *مجموع الفتاوى*، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1995)، 23:161.

 محمد بن إسماعيل البخاري، *صحيح البخاري* (بيروت: دار طوق النجاة، 1422هـ)، كتاب العيدين، باب الصلاة قبل الخطبة، رقم 956.

 مسلم بن الحجاج القشيري، *صحيح مسلم* (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت.)، كتاب العيدين، باب الصلاة قبل الخطبة، رقم 889.

 البخاري، *صحيح البخاري*، رقم 962؛ ومسلم، *صحيح مسلم*، رقم 884.

محمد بن علي الشوكاني، *نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار*، تحقيق عصام الدين الصبابطي (القاهرة: دار الحديث، 1993)، 3:350.

محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، *زاد المعاد في هدي خير العباد*، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1998)، 1:425.

علي بن أحمد بن سعيد ابن حزم الأندلسي، *المحلى بالآثار* (بيروت: دار الآفاق الجديدة، د.ت.)، 5:86.

 أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني، *فتح الباري شرح صحيح البخاري*، تحقيق محب الدين الخطيب (القاهرة: المطبعة السلفية، د.ت.)، 3:128.

المصدر نفسه، 3:129.

 ابن قيم الجوزية، *زاد المعاد*، 1:442.

 محمد بن إسماعيل الصنعاني، *سبل السلام شروح بلوغ المرام* (القاهرة: دار الحديث، د.ت.)، 2:282.

الشوكاني، *نيل الأوطار*، 3:351.

 ابن حزم، *المحلى بالآثار*، 5:82.

ابن قدامة، *المغني*، 2:287.

 ابن تيمية، *مجموع الفتاوى*، 22:233.

 محمد ناصر الدين الألباني، *إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل* (بيروت: المكتب الإسلامي، 1985)، 3:95.

 مسلم، *صحيح مسلم*، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، رقم 49.

 شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، *سير أعلام النبلاء*، تحقيق شعيب الأرنؤوط (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1985)، 6:131.

 ابن حجر العسقلاني، *تقريب التهذيب*، تحقيق محمد عوامة (حلب: دار الرشيد، 1986)، رقم 4173.

 الصنعاني، *سبل السلام*، 2:283.

 الألباني، *إرواء الغليل*، 3:96.

 مسلم، *صحيح مسلم*، رقم 49.

الذهبي، *سير أعلام النبلاء*، 6:132.

 الشوكاني، *نيل الأوطار*، 3:352.

 ابن حجر، *تقريب التهذيب*، رقم 4174.

 الذهبي، *سير أعلام النبلاء*، 6:131.

 ابن حجر، *تقريب التهذيب*، رقم 4173.

 الذهبي، *سير أعلام النبلاء*، 5:164.

 ابن حجر، *تقريب التهذيب*، رقم 5626.

 ابن قدامة، *المغني*، 2:288.

 البخاري، *صحيح البخاري*، رقم 953.

ابن تيمية، *مجموع الفتاوى*، 24:220.

 الشوكاني، *نيل الأوطار*، 3:353.

 الصنعاني، *سبل السلام*، 2:284.

 البخاري، *صحيح البخاري*، رقم 961.

 مسلم، *صحيح مسلم*، رقم 2044.

 ابن قدامة، *المغني*، 3:331.

## قائمة المصادر والمراجع

 * **الألباني، محمد ناصر الدين.** *إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل*. الطبعة الثانية. بيروت: المكتب الإسلامي، 1985.

 * **ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم.** *مجموع الفتاوى*. تنسيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1995.

 * **ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي.** *تقريب التهذيب*. تحقيق محمد عوامة. حلب: دار الرشيد، 1986.

 * **ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي.** *فتح الباري شرح صحيح البخاري*. تحقيق محب الدين الخطيب. القاهرة: المطبعة السلفية، د.ت.

 * **ابن حزم الأندلسي، علي بن أحمد بن سعيد.** *المحلى بالآثار*. تحقيق لجنة إحياء التراث العربي. بيروت: دار الآفاق الجديدة، د.ت.

 * **ابن قدامة المقدسي، موفق الدين عبد الله بن أحمد.** *المغني*. الطبعة الثالثة. الرياض: دار عالم الكتب، 1997.

 * **ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر.** *زاد المعاد في هدي خير العباد*. تحقيق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1998.

 * **البخاري، محمد بن إسماعيل.** *صحيح البخاري*. تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر. بيروت: دار طوق النجاة، 1422هـ.

 * **الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد.** *سير أعلام النبلاء*. تحقيق شعيب الأرنؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1985.

 * **الشوكاني، محمد بن علي.** *نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار*. تحقيق عصام الدين الصبابطي. القاهرة: دار الحديث، 1993.

 * **الصنعاني، محمد بن إسماعيل.** *سبل السلام شروح بلوغ المرام*. القاهرة: دار الحديث، د.ت.

 * **مسلم بن الحجاج القشيري.** *صحيح مسلم*. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

# منهجية التكبير الفردي والجماعي في الفقه الإسلامي: دراسة تحليلية مقارنة للأدلة والأقوال والعلل الحديثية ## تأصيل صفة التكبير الفردي في الشعيرة الإسلامية

# فقه دار الهجرة: دراسة تحليلية في الأصول المنهجية والتطبيقات العملية للمذهب المالكي ## المدخل المنهجي والأصولي للمذهب المالكي

# وجوب تأخير الأضحية عن صلاة العيد وحكم ذبحها قبل الإمام