# التكييف الشرعي والنقدي لأخذ الأجرة على الإمامة والأذان: دراسة فقهية مقارنة وتحليل حديثي عللي ## المبحث الأول: التحرير الاصطلاحي والتكييف الفقهي للعين المالية


تتطلب مقاربة المسائل المتعلقة بالمعاوضات على الشعائر التعبدية فرزاً دقيقاً للمفاهيم المالية المتداولة في الفقه الإسلامي، إذ إن الاختلاف في الحكم الشرعي يدور وجوداً وعدماً مع تكييف العين المبذولة وطبيعة العقد المنظم لها. ويتجلى هذا التحرير في التمييز الحاسم بين الأجرة المشروطة، ورزق بيت المال، والجعل، والوقف، حيث ينعكس هذا التمييز على خلوص العبادة وأثرها المكلف به.

وتُعرّف الأجرة المشروطة في إطار نظرية العقد بأنها مقابل مالي يُشترط صراحة أو ضمناً بموجب عقد معاوضة ثنائي، كأن يمتنع الإمام أو المؤذن عن أداء شعيرته إلا باستيفاء مبلغ معلوم من جماعة المصلين. وهذا النمط من التعامل يثير إشكالاً أصولياً؛ نظراً لأن مناط صحة العبادة هو إخلاص النية لله تعالى، وتوطين العقد على المعاوضة الدنيوية يزاحم هذا الإخلاص ويفسد علة القربة. وبناءً على ذلك، يتجه جمهور الفقهاء إلى التشدد في هذا الجانب لتفادي تحويل العبادات المحضة إلى صناعات دنيوية مقصودة لذاتها.

وفي المقابل، يتميز "الرزق" بأنه عطاء تمنحه السلطة العامة أو خزينة الدولة (بيت مال المسلمين) لمن يقوم بالوظائف الدينية العامة كالقضاء، والجهاد، والإمامة، والأذان. ولا يُكيّف الرزق في الفقه الإسلامي باعتباره معاوضة مالية على العبادة، وإنما هو "تمكين وإعانة" وتفريغ للمكلف كي يقوم بفرض كفاية يعود نفعه على عموم الأمة. ولهذا السبب، نفى الإمام ابن قدامة في كتاب المغني الخلاف بين العلماء في جواز أخذ الرزق من بيت المال على الأذان والإمامة عند عدم وجود المتطوع.

أما "الجُعل" فهو رصد مال معلوم من متبرع أو من ريع وقف على من يقوم بمهمة معينة دون وجود عقد معاوضة أو اشتراط من المكلف. فالجعل يقع مرتبة وسطى بين الأجرة والرزق، حيث يؤخذ كمنحة لتغطية الحاجة المعيشية للفاعل دون أن يكون الدافع الأصيل لعمله هو كسب المال. ويوضح الفقهاء أن المانع الأصولي يزول في حالة الرزق والوقف والجعل لأن المكلف يتلقى هذه الأموال لتمكينه من حبس نفسه وتفريغ وقته، وهو ما يُعرف بـ "الاستحقاق بالتفريغ لا بالمعاوضة"، بخلاف الأجرة التي يدفعها المستأجر لاستيفاء منفعة خاصة يرى الفقهاء أنها تقع للأجير نفسه في حالة الصلاة.

## المبحث الثاني: مواقف المذاهب الفقهية الأربعة وتطورها التاريخي

شهدت مواقف المذاهب الفقهية الأربعة تحولات تدريجية فرضتها النوازل الاجتماعية والحاجة إلى صيانة شعائر الإسلام من التعطيل، وهو ما يُظهر مرونة الفقه الإسلامي وأصوله الاستدلالية. ويمكن تلخيص مواقف المذاهب الأربعة وأصولها الاستدلالية فيما يلي:

### 1. المذهب الحنفي

استقر موقف متقدمي الحنفية على تحريم أخذ الأجرة على الطاعات كالتعليم، والإمامة، والأذان مطلقاً؛ عملاً بظواهر النصوص الناهية عن أكل أموال الناس بالباطل بالدين. غير أن متأخري المذهب انتبهوا إلى نازلة خطيرة، وهي انقطاع العطايا من بيت المال وتكاسل الناس عن الاحتساب، مما هدد بتعطيل بيوت الله وضياع القرآن الكريم. وبناء على ذلك، جرى الإفتاء بجواز الاستئجار على تعليم القرآن والإمامة والأذان للضرورة؛ صيانةً للشعائر من الزوال وضياع معالم الدين، كما صرح بذلك ابن نجيم في البحر الرائق وابن عابدين في حاشيته. وأجاز المذهب ما يجمعه المصلون للإمام من مال دون شرط مسبق إذا عرفوا حاجته وعوزه. أما الرزق الممنوح لهم من بيت المال أو الأوقاف فهو جائز ومستحب كونه معونة على الطاعة لا معاوضة.

### 2. المذهب المالكي

يؤسس المالكية أحكامهم على تفرقة دقيقة بين العبادات القاصرة والمتعدية؛ حيث يمنع المشهور في المذهب الإجارة على الإمامة المنفردة في الفرائض والنوافل (كصلاة التراويح)، بينما يجيزونها في الأذان منفرداً أو إذا جُمع الأذان مع الإمامة. وعلل القرافي في الذخيرة ذلك بأن الأذان يشتمل على إعلام للغير ودعاء لهم فصحت الإجارة عليه كونه نفعاً متعدياً، بينما الإمامة منفعة قاصرة تقع للإمام نفسه لتحصيل فضيلة الجماعة فلا تقع للمستأجر. ومع ذلك، فقد أباح بعض أصحاب مالك كابن عبد الحكم أخذ الأجرة عليهما مطلقاً. ويشترط المالكية لانتفاء الكراهة أن يصرف المال من الأوقاف أو بيت المال كمعونة، أما الدفع المباشر كأجرة مشروطة من المصلين فيبقى في دائرة المنع والكراهة الشديدة.

### 3. المذهب الشافعي

يقرر الشافعية في الأصح عندهم بطلان استئجار الإمام ليصلي بالناس فرضاً أو نفلاً كالتراويح. وعلل زكريا الأنصاري في أسنى المطالب وابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج ذلك بأن الإمام يصلي لنفسه في المقام الأول، والمنفعة التعبدية للجماعة لا يمكن للمستأجر حيازتها أو استيفاؤها بموجب عقد. وفي مقابل الأصح، جوّز بعض الشافعية الإجارة مطلقاً. أما فيما يتعلق بالرزق من بيت المال، فقد استحب الشافعي أن يكون الأئمة والمؤذنون متطوعين، فإن لم يُوجد من يتطوع، جاز للحاكم أن يرزقهم من سهم المصالح المرصد لخدمة المسلمين كتعويض وتفريغ لقضاء حوائج العامة.

### 4. المذهب الحنبلي

المذهب والأصح عند الحنابلة هو تحريم أخذ الأجرة المشروطة على الإمامة والأذان والإقامة؛ لأن العبادات المحضة لا يصح التعاقد عليها تجارياً. وقد عُرف عن الإمام أحمد شدته في كراهة الصلاة خلف من يشارط الناس على إمامتهم. لكن المذهب يضم رواية أخرى اختارها بعض الأصحاب، مفادها جواز أخذ الأجرة للحاجة والفقر دون الغنى. وفيما يخص الرزق من الفيء أو بيت المال، فلا يرى الحنابلة بأساً بأخذه عند عدم المتطوع لأنه من باب المكافأة والإعانة للمصالح العامة لا المعاوضة التجارية، وذلك دفعاً لتعطيل المساجد والشعائر.

## المبحث الثالث: اختيارات وآراء المحققين من السلف والخلف

قدم محققو السلف والخلف تأصيلات دقيقة حاولت الجمع بين صيانة النوايا التعبدية وبين تلبية الاحتياجات المعيشية للقائمين على هذه الوظائف العامة.

### شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية

تبنى شيخ الإسلام ابن تيمية وجهاً وسطاً في المذهب الحنبلي يربط بين الحكم الشرعي والحاجة الشخصية للمكلف. وقرر أن أخذ الأجرة على القربات يجوز مع الحاجة والفقر، ويحرم بدونهما. وأكد ابن تيمية أن الاستئجار بموجب عقود تجارية يقدح في الإخلاص ويفسد نية التقرب. لكنه فرّق تفريقاً أصولياً عميقاً بين الأجرة والرزق؛ فالأجرة تؤخذ لمنفعة المستأجر، بينما الرزق يؤخذ للاستعانة على العمل الديني وتفريغ الوقت له. وبناءً عليه، فإن الصرف من بيت المال أو الأوقاف لا يخرج العمل عن كونه قربة لله تعالى.

وتبعه تلميذه ابن القيم في هذا التحقيق، مبيناً في كتاباته حول "الأجرة على الطاعات" أن المكلف إذا جعل العبادة وسيلة للمال بطل عمله، أما إذا جعل المال وسيلة لإقامة العبادة وتفريغ وقته لها، فإن ذلك جائز ومقبول. فالنية هي الفارق الحاسم بين الأخذ كصناعة ومعاوضة، وبين الأخذ كإعانة وقدرة على الاستمرار في القيام بفروض الكفايات لصالح عموم المسلمين.

### الشيخ محمد ناصر الدين الألباني

اتفق الشيخ الألباني مع الموقف المقاصدي القاضي بمنع أخذ الأجور على الوظائف الدينية كالإمامة، والأذان، والخطابة، وتعليم القرآن. وبيّن الألباني في فتاواه أن النية يجب أن تخلص لله تبارك وتعالى، والمال لا يجوز أن يكون مقصوداً بالعمل التعبدي.

لكن الألباني وضع مخرجاً واقعياً يزيل الحرج عن العاملين؛ حيث أجاز أخذ الرواتب الشهرية التي تصرفها الحكومات. وعلل ذلك بأن هذه الرواتب لا تُكيف كأجور تعاقدية مشروطة، بل هي "راتب وتفريغ" من الدولة لمن حبس نفسه لهذا العمل العام. وساق الألباني دليلاً تاريخياً على ذلك؛ وهو راتب الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حيث كان الصديق تاجراً يعمل بكد يده، فلما تولى الخلافة وجد أن أعباءها تحول دون سعيه وراء الرزق وتضر بمصالح المسلمين، ففرض له الصحابة كفاية يومية (شاة ودراهم دبرت معاشه). ولم يقل أحد من الصحابة إن هذه أجرة على الإمامة الكبرى، وإنما هو تفريغ لمصالح الأمة.

### الإمام الشوكاني والأمير الصنعاني

ناقش الإمام الشوكاني في *نيل الأوطار* المسألة عبر تتبع دقيق لأقوال الصحابة والتابعين والجمع بين النصوص المتعارضة. وعضد الشوكاني القول بتحريم الأجرة المشروطة على الأذان والإمامة. ورد بقوة على قياس ابن العربي المالكي الذي جوّز الأجرة قياساً على راتب الخليفة والعاملين على الصدقة، واصفاً إياه بـ "القياس في مصادمة النص". وقدم الشوكاني مخرجاً جمعياً حسناً؛ وهو أن الأجرة تحرم إذا كانت مشروطة مسبقاً، أما إذا أُعطي الإمام أو المؤذن بغير مسألة ولا مشارطة، فإن ذلك طيب وجائز لا بأس به. واستدل بفتيا ابن عمر والضحاك ومعاوية بن قرة في ذم المشترطين وقبول العطايا غير المشروطة.

أما الأمير الصنعاني في *سبل السلام* فقد تتبع دلالات الأحاديث مبيناً أن الشافعية ذهبوا إلى جواز أخذ الأجرة مع الكراهة، بينما ذهب الهادوية والحنفية إلى تحريمها. وعقّب الصنعاني بأن حديث عثمان بن أبي العاص لا يدل صراحة على التحريم المطلق للأخذ. وأوضح أن المقابل المالي للأذان في مكان معين قد لا يقع على الأذان ذاته، بل على "ملازمة المكان" وحبس النفس فيه كأجرة الرصد والحراسة. ووافق الشوكاني في أن ما يُصرف من بيت المال كرواتب إنما هو مكافأة على قيام بعمل عام ينتفع به المسلمون، فلا يدخل في باب الإجارة المحرمة.

## المبحث الرابع: التخريج الحديثي لحديث عثمان بن أبي العاص وتراجم رواته

يعتبر حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه حجر الزاوية لكل من قال بمنع المعاوضة على الشعائر. ونص الحديث المتفق عليه في السنن: «أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً». وقد أورد الإمام أبو داود في سننه هذا الحديث بسند متصل صرح برجاله ونقدهم علماء الفن. ويتجلى السبر الحديثي ونقد الجرح والتعديل لرجاله فيما يلي:

 * **موسى بن إسماعيل التبوذكي**: هو البصري أبو سلمة، رتبته عند أئمة الجرح والتعديل ثقة ثبت مأمون، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ويعد من أوثق الناس في حماد بن سلمة.

 * **حماد بن سلمة بن دينار**: رتبته ثقة عابد، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن، وإذا روى عنه موسى بن إسماعيل فهو ابن سلمة يقيناً، وهو مقدم في سعيد الجريري.

 * **سعيد بن إياس الجريري**: محدث أهل البصرة، رتبته ثقة إلا أنه تغير حفظه بآخره ودخل عليه الوهم أيام طاعون البصرة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ورواية حماد بن سلمة عنه صحيحة قديماً قبل الاختلاط.

 * **أبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير**: هو البصري، أخو مطرف، رتبته ثقة ثبت بالاتفاق ومن كبار التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

 * **مطرف بن عبد الله بن الشخير**: من سادات التابعين بالبصرة، رتبته ثقة ثبت عابد مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وعنه يروي أخوه يزيد.

 * **عثمان بن أبي العاص الثقفي**: صحابي جليل استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف، ونزل البصرة وتوفي بها سنة خمسين للهجرة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

وتتجلى القيمة النقدية لهذا السند في معالجة قضية "اختلاط" سعيد بن إياس الجريري. فقد صرح أئمة الجرح والتعديل كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين بأن الجريري تغير حفظه بآخرة ودخل عليه الوهم. غير أن علماء العلل وضعوا ضابطاً قبولياً دقيقاً؛ حيث قرر أبو حاتم الرازي وابن علية أن من كتب عن الجريري قديماً فروايته صحيحة مقبولة. وبما أن حماد بن سلمة سمع منه قديماً قبل تغيره وقبل الطاعون، فإن روايته هذه تقع في حيز الاتصال والصحة الخالية من علة الاختلاط. وبذلك يكون إسناد الحديث من هذا الطريق صحيحاً لا مطعن فيه.

## المبحث الخامس: دراسة عللية في سماع الحسن البصري وجدل المتقدمين والمتأخرين

يرد حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه من طريق أخرى تدور على الإمام الحسن البصري. وتثير هذه الطريق معركة نقدية كبرى بين أئمة الفن حول سماع الحسن من عثمان بن أبي العاص.

### موقف نفي السماع والعلة الحديثية

ذهب الإمام الحاكم في *المستدرك* إلى القول صراحة بإن الحسن البصري لم يسمع من عثمان بن أبي العاص. وتتابع على هذا الرأي عدد من كبار الحفاظ؛ حيث ذكر المزي في *تهذيب الكمال* صيغة التمريض "قيل لم يسمع منه" ، وجزم الحافظ ابن حجر العسقلاني بالانقطاع نظراً لأن الحسن كان يرسل كثيراً عمن لم يلقهم بصيغة (عن). وبناء على هذا الرأي، تُعل الرواية بالانقطاع وتُصنف ضمن المراسيل الضعيفة التي لا تُحتج بها بمفردها.

### موقف إثبات السماع والقرائن الروائية

في المقابل، يتجه الإمام أحمد بن حنبل والإمام البخاري إلى إثبات سماع الحسن البصري من عثمان بن أبي العاص. وقد اعتمد هذا الاتجاه على جملة من القرائن المسندة القوية التي تدفع دعوى الانقطاع :

 * روى عبد الله بن أحمد في *العلل* عن أبيه بسند صحيح عن أبي داود الطيالسي عن أبي عامر عن الحسن قال: «كنا ندخل على عثمان بن أبي العاص وكان له بيت». وعلق البخاري في *التاريخ الكبير* نحو هذا اللفظ، مما يثبت المعاينة واللقاء الفعلي المتكرر.

 * أورد الإمام أحمد في *العلل* بإسناد صحيح عن حزم القطعي قال: سمعت الحسن البصري يحدّث بحديث، فقال له عبد الله بن بريدة: "من أخبرك بهذا يا أبا سعيد؟" فقال: "عثمان بن أبي العاص"، فقال ابن بريدة: "ثقة والله". وهذا النص صريح في نفي التدليس وتعيين الشيخ المروي عنه مباشرة دون وسائط.

 * أورد أبو القاسم البغوي في *معجم الصحابة* بسند متصل عن قتادة عن الحسن قال: «رأيت عثمان بن أبي العاص صائماً يوم عرفة يمج الماء من فيه مجاً». والرؤية البصرية المباشرة هنا تنفي الإرسال والانقطاع نفياً قاطعاً.

وبناء على هذه القرائن الخاصة، ترجح كفة القائلين باتصال الرواية وثبوت سماع الحسن من عثمان بن أبي العاص، وتكون عنعنة الحسن هنا محمولة على السماع الفعلي لقلة تدليسه وكثرة لقائه بالصحابة في البصرة.

### الفروق المنهجية بين المتقدمين والمتأخرين في نقد الأسانيد

توضح هذه المسألة التمايز المنهجي والعملي بين المتقدمين والمتأخرين من علماء الحديث :

 1. **المنهج النقدي للمتقدمين:** يقوم على سبر الأسانيد ومعالجة كل حديث بقرائنه الخاصة وظروفه الحافة (الحدس القرائني والعللي). فلا يكتفي المتقدمون بمجرد المعاصرة وإمكانية اللقاء، بل يفتشون عن التصريح بالسماع ومرويات الأقران وسلوك الرواة الفعلي. ولهذا تسرع بعضهم في نفي سماع الحسن كقاعدة عامة لشدة ورعهم النقدي وكثرة إرسال الحسن عمن لم يلقهم. ولكن عندما عثر البخاري وأحمد على قرائن اللقاء التاريخي والدخول الشخصي للحسن في بيت عثمان بالبصرة، قضوا بالاتصال في هذا الحديث بعينه بناء على الدليل الخاص.

 2. **المنهج النقدي للمتأخرين:** يميل إلى تقنين القواعد وتطبيقها بطرق آلية مطردة لضبط الروايات وإيجاد أحكام كلية. فقد يعل المتأخرون رواية الحسن بمجرد العنعنة تطبيقاً لقاعدة "الحسن مدلس ولم يصرح بالسماع" دون الالتفات إلى القرائن التاريخية التي جمعها المتقدمون في كتب العلل. وتؤدي هذه المنهجية أحياناً إلى تضعيف أحاديث صحيحة متصلة ثبت لقاء رواتها بالقرائن الحافة.

ولهذا فإن التحقيق العلمي يقتضي دائماً تفضيل أحكام أئمة العلل المتقدمين كأحمد والبخاري لقربهم من العصر، ودقة اطلاعهم على تفاصيل أحوال الرواة، وقدرتهم على كشف العلل الخفية التي قد تخفى على القواعد النظرية الكلية للمتأخرين.

## المبحث السادس: خلاصة الفتاوى والآثار والآثار المعاصرة

يثبت من خلال سبر الآثار الفقهية والحديثية أن السلف الصالح كانوا يتورعون تورعاً شديداً عن جعل العبادات مطية لتحصيل الدنيا. فقد روى يحيى البكالي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً قال له: "إني لأحبك في الله"، فقال ابن عمر: "لكني أبغضك في الله؛ لأنك تسأل عن أذانك أجراً". وروى ابن مسعود رضي الله عنه قوله الشاهر: «أربع لا يؤخذ عليهن أجر: الأذان، وقراءة القرآن، والمقاسم، والقضاء». وهذه الآثار تكشف عن منهج تربوي وعقدي يربط إقامة الشعائر بالاحتساب الكامل لله تعالى.

وفي العصر الحديث، طرأت تحولات تنظيمية كبرى على إدارة المساجد؛ حيث أصبحت الإمامة والأذان وظائف حكومية مقننة تتبع وزارات الشؤون الإسلامية والأوقاف. ويتنزل التكييف الشرعي لهذه الرواتب والمستحقات المعاصرة تحت المخرجات الفقهية الآتية:

 * لا حرج شرعاً في أخذ الرواتب الشهرية المصروفة من الدولة للأئمة والمؤذنين. فهذه المبالغ تندرج تحت مفهوم "الرزق" والإعانة المقتطعة من بيت المال لتغطية حاجات المكلفين، وليست أجوراً تعاقدية مشروطة على ركعات الصلاة.

 * يحرم على الأئمة والمؤذنين اشتراط مبالغ خاصة من المصلين (مشارطة وعقد معاوضة) مقابل الصلاة بهم. فإن وقع الدفع من المصلين على سبيل الهبة والمعونة دون شرط مسبق، طاب ذلك للإمام وجاز له أخذه، وخاصة مع مسيس الحاجة والفقر.

 * يتعين على المتصدي للإمامة والخطابة تصحيح نيته؛ بحيث يكون القصد الأصيل والدافع النفسي هو إقامة الصلاة وخدمة المسلمين، ويكون المال المأخوذ وسيلة تعينه على التفرغ والاستقرار المعيشي. وتثبت له الأجرة في الآخرة بحسب خلوص نيته واحتسابه.

## المصادر والمراجع (وفق نظام شيكاغو)

ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. *مجموع الفتاوى*. تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1425هـ.

ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. *تحفة المحتاج في شرح المنهاج*. بيروت: دار الكتب العلمية، 1421هـ.

ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. *تقريب التهذيب*. تحقيق محمد عوامة. حلب: دار الرشيد، 1406هـ.

ابن عابدين، محمد أمين بن عمر. *رد المحتار على الدر المختار* (حاشية ابن عابدين). بيروت: دار الفكر، 1412هـ.

ابن قدامة، موفق الدين عبد الله بن أحمد. *المغني*. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي وعبد الفتاح محمد الحلو. الرياض: دار عالم الكتب، 1417هـ.

ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. *زاد المعاد في هدي خير العباد*. تحقيق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1418هـ.

ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم. *البحر الرائق شرح كنز الدقائق*. بيروت: دار المعرفة، د.ت.

أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني. *سنن أبي داود*. تحقيق شعيب الأرنؤوط. بيروت: دار الرسالة العالمية، 1430هـ.

الألباني، محمد ناصر الدين. *إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل*. بيروت: المكتب الإسلامي، 1405هـ.

البخاري، محمد بن إسماعيل. *التاريخ الكبير*. حيدر آباد الدكن: دائرة المعارف العثمانية، د.ت.

الترمذي، محمد بن عيسى. *سنن الترمذي*. تحقيق بشار عواد معروف. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998م.

الأنصاري، زكريا بن محمد. *أسنى المطالب في شرح روض الطالب*. بيروت: دار الكتب العلمية، 1422هـ.

الشوكاني، محمد بن علي. *نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار*. تحقيق طارق بن عوض الله. القاهرة: دار ابن القيم، 1425هـ.

الصنعاني، محمد بن إسماعيل الكحلاني. *سبل السلام شرح بلوغ المرام*. تحقيق محمد ناصر الدين الألباني. الرياض: مكتبة المعارف، 1427هـ.

القرافي، شهاب الدين أحمد بن إدريس. *الذخيرة*. تحقيق محمد بو خبزة. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1994م.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

# منهجية التكبير الفردي والجماعي في الفقه الإسلامي: دراسة تحليلية مقارنة للأدلة والأقوال والعلل الحديثية ## تأصيل صفة التكبير الفردي في الشعيرة الإسلامية

# فقه دار الهجرة: دراسة تحليلية في الأصول المنهجية والتطبيقات العملية للمذهب المالكي ## المدخل المنهجي والأصولي للمذهب المالكي

# وجوب تأخير الأضحية عن صلاة العيد وحكم ذبحها قبل الإمام