# دراسة فقهية مقارنة لنوازل المرأة في الحج ومحظورات الإحرام المتعلقة بالطيب والزعفران
تعد مناسك الحج من أكثر العبادات التي تتقاطع فيها المقاصد التعبدية بالحقائق الجبلية للبشر، ولا سيما فيما يخص أحكام النساء ونوازل الطهارة. إن إشكالية المرأة التي تحيض قبل أداء طواف الإفاضة وتمنعها طبيعة الحياء أو ظروف الرفقة من الإفصاح عن حالها، تمثل واحدة من أدق المسائل التي تناولها الفقهاء بالبحث والتحليل، حيث يجتمع فيها ركنية الطواف مع شرطية الطهارة وعذر الجهل أو الحياء. وبالتوازي مع ذلك، تبرز قضايا محظورات الإحرام كمس الطيب الموضوع على الكعبة المشرفة وتناول المشروبات الممزوجة بالزعفران، وهي مسائل تتطلب دقة في التكييف الفقهي بين ما يعد "تطيباً" محظوراً وما يعد "تغذياً" أو "تماساً غير مقصود". يستعرض هذا التقرير آراء الأئمة الأربعة، وابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والصنعاني، والألباني، وابن حزم، في تحليل شامل لهذه المسائل.
## طواف الحائض ومسألة اشتراط الطهارة في مناسك الحج
تمثل الطهارة في الطواف حجر الزاوية في صحة الركن الأهم من أركان الحج، وهو طواف الإفاضة. لقد أجمع الفقهاء على أن السنة والكمال للمرأة أن تؤدي مناسكها وهي طاهر، ولكنهم اختلفوا اختلافاً بيناً في حكم الطواف حال نزول الدم، وفي تكييف هذا الدم ومدى اعتباره مانعاً من صحة العبادة أو مجرد واجب يجبر بدم.
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة في المشهور عنهم إلى أن الطهارة من الحدثين (الأكبر والأصغر) هي شرط لصحة الطواف، واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها حين حاضت فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري". ويرى هؤلاء أن النهي هنا يقتضي الفساد، وبالتالي فإن طواف الحائض باطل لا يجزئها، ويجب عليها البقاء في مكة حتى تطهر ثم تطوف، فإن غادرت مكة دون طواف الإفاضة بقيت محرمة لا يحل لها زوجها حتى تعود وتطوف. في المقابل، تميز المذهب الحنفي برؤية أصولية مختلفة، حيث اعتبروا الطهارة في الطواف "واجباً" وليست "شرطاً" للصحة، فمن طاف وهو حائض فقد أدى الركن، وطوافه صحيح ومجزئ، ولكنه يأثم لترك الواجب وتلزمه "بدنة" جبراً لهذا النقص، وقد وافق الإمام أحمد في رواية عنه هذا القول.
### اجتهاد ابن تيمية وابن القيم في حالة الضرورة القصوى
قدم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم مخرجاً فقهياً يقوم على مراعاة "الضرورة" التي تبيح المحظورات وتسقط الواجبات. إن نازلة المرأة التي تحيض قبل طواف الإفاضة وتكون مرتبطة برفقة لا تنتظرها، ولا تستطيع البقاء وحدها لعدم المحرم، كانت هي الحالة التي أفتى فيها ابن تيمية بجواز أن "تتحفظ" المرأة وتطوف للضرورة، وطوافها صحيح ومجزئ ولا شيء عليها. وبنى ابن تيمية اجتهاده على أن واجبات الحج تسقط بالعجز عنها، قياساً على سقوط شروط الصلاة عند العجز، وقد أيد ابن القيم هذا المنحى مبيناً أن الشريعة لا تأتي بما تعجز عنه النفوس.
### فقه ابن حزم الظاهري وتفرده
اتخذ الإمام ابن حزم في "المحلى" مسلكاً يتسم بالجمود على النص، حيث رأى أن الطهارة ليست شرطاً في الطواف بصفة عامة للجنب والمحدث، ولكنها شرط للحائض فقط لأن النبي صلى الله عليه وسلم "منع" الحائض صراحة من الطواف بلفظ النهي، والنهي يقتضي الفساد. ومن العجيب عند ابن حزم أنه أجاز للنفساء الطواف ولم يلحقها بالحائض، معتبراً أن النص ورد في الحيض فقط.
### آراء الشوكاني والصنعاني والألباني
ناقش الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار" الأدلة بعمق، وبين أن حديث "الطواف بالبيت صلاة" لا يرتقي لدرجة الاحتجاج به لفرض شرطية الطهارة كشرط صحة، ويميل إلى أن الطهارة سنة مؤكدة وفضيلة، وأن من طاف بغير طهارة أجزأه. أما الإمام الصنعاني في "سبل السلام"، فقد أشار إلى النزاع الفقهي في كون الطهارة شرطاً أو واجباً، مبيناً أن الأصل هو براءة الذمة من الاشتراط إلا بدليل، ولكنه يعظم أمر النص النبوي في منع الحائض. ويتخذ الشيخ الألباني موقفاً متشدداً، حيث يرى أن طواف الحائض باطل مطلقاً ولا تصح فيه فتوى الضرورة، وينتقد بشدة فتوى ابن تيمية، ويرى أن المرأة يجب أن تنتظر حتى تطهر مهما كلفها الأمر.
## مسألة الحياء والخجل وأثرها على التكليف الشرعي
إن الحالة التي "تحيض فيها المرأة وتستحي أن تتكلم"، لا يعد فيها الحياء مبرراً لترك الشرط إذا كانت عالمة بالتحريم. فطوافها وهي حائض مع العلم يعد "إثماً" لانتهاك حرمة المسجد. أما إذا كانت جاهلة بأن الحيض يمنع الطواف، فلا إثم عليها، ولكن "الجهل لا يسقط الركن" عند الجمهور، فيجب عليها إعادة الطواف أو الفداء عند الحنفية.
اتفق الفقهاء على أن "التطيب" من محظورات الإحرام، ولكنهم فرقوا في مس طيب الكعبة بين حالات. فإذا لمس المحرم الحجر الأسود أو الكعبة بغير قصد التطيب (للتبرك أو اتباع السنة) ولم يعلم بالطيب، فلا شيء عليه، ويجب عليه غسل يده فوراً. أما إذا لمس المكان وهو يعلم بوجود الطيب قاصداً التطيب، فقد ارتكب محظوراً وتلزمه فدية.
أما بالنسبة للزعفران في القهوة والشاي، فقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى تحريم شربه إذا بقيت رائحته أو طعمه، لأنه طيب. بينما يرى الحنفية والمالكية أنه إذا طبخ الزعفران مع القهوة، فإنه يستحيل عن كونه طيباً ويصبح نكهة تابعة للطعام، فيجوز للمحرم شربه. وبحث الشوكاني في "نيل الأوطار" مدى بقاء مسمى الطيب، ومال إلى أن ما استهلك في الطعام ولم يعد يسمى طيباً عرفاً فلا حرج فيه، وإن كان الاحتياط تركه.
### المصادر والمراجع (وفق نظام شيكاغو)
* الألباني، محمد ناصر الدين. *سلسلة الهدى والنور*. تسجيلات صوتية، شريط رقم 561.
* ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. *مجموع الفتاوى*. جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416هـ/1995م.
* ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي. *المحلى بالآثار*. تحقيق عبد الغفار سليمان البنداري. بيروت: دار الكتب العلمية، 1424هـ/2003م.
* ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب. *إعلام الموقعين عن رب العالمين*. تحقيق محمد عبد السلام شاهين. ط 1. بيروت: دار الكتب العلمية، 1411هـ/1991م.
* ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب. *زاد المعاد في هدي خير العباد*. تحقيق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط. ط 1. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1418هـ/1998م.
* الشوكاني، محمد بن علي بن محمد. *نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار*. تحقيق عصام الدين الصبابطي. ط 1. القاهرة: دار الحديث، 1413هـ/1993م.
* الصنعاني، محمد بن إسماعيل الأمير. *سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام*. تحقيق محمد صبحي حسن حلاق. ط 1. الرياض: دار ابن الجوزي، 1418هـ/1997م.
تعليقات
إرسال تعليق