# إشكالية الإجماع في الفكر الأصولي عند العلامة أحمد محمد

  شاكر: دراسة تحليلية نقدية في الأنطولوجيا القانونية والمنهجية الحديثية

تمثل قضية الإجماع كأصل من أصول التشريع الإسلامي واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في تاريخ "أصول الفقه"، حيث يتقاطع فيها البعد النصي بالبعد التاريخي والسياسي. وفي خضم التحولات الفكرية التي شهدها العالم الإسلامي في النصف الأول من القرن العشرين، برزت قراءة العلامة القاضي أحمد محمد شاكر كقراءة راديكالية تسعى لتفكيك المفهوم الأصولي التقليدي للإجماع. إن مقولته الشهيرة: «وأما الإجماع الذي يدعيه الأصوليون فلا يتصور وقوعه ولا يكون أبداً وما هو إلا خيال. وكثير ما ترى الفقهاء إذا حزبهم الأمر وأعوزتهم الحجة ادعوا الإجماع ونبزوا مخالفه بالكفر» ، لا تمثل مجرد رأي عابر، بل هي بيان منهجي يعبر عن مدرسة "أهل الحديث" المعاصرة في مواجهة التراكمات المذهبية التي يراها شاكر عائقاً أمام الفهم المباشر للنص الوحياني.

## السياق التاريخي والمعرفي لموقف أحمد شاكر

لتحليل موقف الشيخ أحمد شاكر، يجب وضعه في سياقه كقاضٍ شرعي ومحدث محقق، نشأ في بيئة علمية أزهرية محافظة، لكنه تمرد على الجمود المذهبي من خلال بوابة التحقيق العلمي لكتب التراث. لقد كان شاكر يرى أن الإجماع في صورته الأصولية النظرية—وهو اتفاق جميع المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من الأعصار على حكم شرعي—هو "يوتوبيا" قانونية لا يمكن التحقق منها تاريخياً أو واقعياً.

إن هذا الموقف نابع من اشتغاله العميق بكتب الإمام ابن حزم الأندلسي، وتحديداً "المحلى" و"الإحكام في أصول الأحكام"، حيث تبنى شاكر النزعة الظاهرية في حصر الإجماع فيما علم من الدين بالضرورة أو إجماع الصحابة الذي يمكن نقله وتواتره. ويظهر ذلك جلياً في تعليقاته على "المحلى" حيث أكد أن الحق هو ما ذهب إليه ابن حزم في حقيقة الإجماع، معتبراً الإجماع الذي يدرسه الأصوليون في كتبهم مجرد "خيال" ذهني.

### مقارنة المناهج الأصولية في تصور الإجماع

تختلف مدرسة الإمام أحمد شاكر عن التوجه الأصولي التقليدي في عدة نقاط جوهرية؛ فبينما يُعرف الإجماع التقليدي باتفاق جميع مجتهدي العصر، فإن شاكر يقصره على ما عُلم من الدين بالضرورة أو إجماع الصحابة المتيقن. ومن حيث الإمكانية الواقعية، يرى جمهور الأصوليين أن الإجماع ممكن نظرياً وواقعياً، بينما يقطع شاكر باستحالة وقوعه واصفاً إياه بالخيال. كما يبرز الاختلاف في القيمة الإبستمولوجية؛ إذ يعتبره التقليديون قطعياً يكفر مخالفه في الجملة، بينما يرى شاكر أنه لا يكفر إلا مخالف الإجماع الضروري المتواتر. وفي حين يستند التقليديون إلى أدلة العقل والشرع في الحجية، يعتمد شاكر كلياً على النص المتواتر والنقل الكافة عن الكافة.

## تفكيك مقولة "الخيال الأصولي": الأبعاد المنهجية

عندما يصف أحمد شاكر الإجماع الأصولي بأنه "خيال"، فإنه يستند إلى حجج لوجستية وإبستمولوجية بالغة القوة. فالأصوليون يشترطون لانعقاد الإجماع معرفة آراء "كل" المجتهدين في المعمورة، وهو أمر يراه شاكر مستحيلاً في العصور الماضية نظراً لاتساع رقعة البلاد الإسلامية وتفرق العلماء في الأمصار.

إن هذا الاستحالة اللوجستية تؤدي بالضرورة إلى استحالة "العلم" بوقوع الإجماع. ومن هنا، يرى شاكر أن الفقهاء الذين يدعون الإجماع في المسائل الفرعية إنما يعبرون عن "عدم علمهم بالخلاف"، وليس عن "علمهم بالاتفاق". وهذا التمييز الجوهري هو ما أكده قبله الإمام أحمد بن حنبل بقوله: «من ادعى الإجماع فهو كاذب، وما يدريه؟ لعلهم اختلفوا».

### العلاقة بين غياب الحجة وادعاء الإجماع

يشير شاكر في الجزء الثاني من مقولته إلى ظاهرة سيكولوجية وتاريخية في الفكر الفقهي، وهي لجوء الفقيه إلى "ترس الإجماع" عندما "يعوزه الدليل". هذه الممارسة، في نظر شاكر، تعكس ضعفاً في الاستدلال النصي ومحاولة لإغلاق باب النقاش بسلطة وهمية.

إن عبارة «إذا حزبهم الأمر وأعوزتهم الحجة ادعوا الإجماع» تكشف عن رؤية شاكر للإجماع كأداة سلطوية تُستخدم لقمع الاجتهاد وتجاوز مقتضى النصوص الصحيحة التي قد تخالف المذهب السائد. فالإجماع هنا لا يعمل كمصدر للتشريع بقدر ما يعمل كـ "سد ذريعة" ضد النقد العلمي.

## أثر المنهج الحديثي في نقد الإجماع

إن تخصص أحمد شاكر في علم الحديث جعل معاييره للقبول والرفض شديدة الصرامة. فما لا يثبت عبر طرق الرواية الصحيحة أو التواتر العملي لا يمكن اعتباره حجة ملزمة للأمة. ومن هنا، نجد أن شاكر يربط بين الإجماع الحقيقي وبين "التواتر المعلوم من الدين بالضرورة".

لقد قدم شاكر رؤية تعتبر أن الإجماع الذي يكفر مخالفه هو فقط ذلك الذي يمثل "سبيل المؤمنين" الواضح الذي لا يحتمل التأويل، مثل أصول العبادات وتحريم المحرمات الكبرى. أما ما وراء ذلك من تفاصيل فقهية، فهي مساحة للاجتهاد لا يصح فيها دعوى الإجماع، فضلاً عن نبز المخالف بالكفر.

### تطبيقات فقهية لمخالفة الإجماع المدعى عند أحمد شاكر

خالف الإمام أحمد شاكر العديد من المسائل التي حُكي فيها الإجماع، معتمداً على قوة النص الحديثي:

 * **الإشهاد على الطلاق:** خالف دعوى الإجماع على عدم الوجوب، مؤكداً على وجوبه بناءً على ظاهر النص القرآني.

 * **طلاق الحائض:** رأى عدم وقوع الطلاق لمخالفته الأمر النبوي، رغم نقل إجماع المذاهب الأربعة على وقوعه.

 * **الحساب الفلكي:** أجاز العمل به في إثبات الشهور، معتبراً أن الإجماع القديم على المنع كان معللاً بعلة الأمية وقد زالت.

 * **قتل شارب الخمر رابعاً:** رأى بقاء الحكم وعدم نسخه، ورد على دعوى الإجماع على النسخ بأنها دعوى بلا دليل.

## نبز المخالف بالكفر: البعد الأخلاقي والسياسي في نقد شاكر

تعتبر إشارة شاكر إلى "نبز المخالف بالكفر" واحدة من أهم الوقفات التي تعكس خوفه على وحدة الأمة وحرمة دمائها. إن استخدام الإجماع كأداة للتكفير وتحويل المسائل الاجتهادية إلى قضايا إيمان وكفر هو في نظر شاكر انحراف خطير عن مقاصد الشريعة.

يرى شاكر أن الإجماع الحقيقي هو ما "لا تختلف فيه الأفهام" ويشترك في علمه العام والخاص. أما ادعاء الإجماع في مسائل النزاع ثم استخدامه لتضليل المخالفين، فهو مسلك يفتح باب الفتن. إن هذا الموقف جعل شاكر يبدو مدافعاً عن "حرية الاجتهاد" ضمن إطار النص، رافضاً السلطة المطلقة للفقهاء في تحويل آرائهم المذهبية إلى إجماعات مقدسة.

## المقارنة بين أحمد شاكر ورشيد رضا في قراءة الأصول

على الرغم من اشتراك أحمد شاكر ورشيد رضا في نقد التقليد، إلا أن منطلقاتهما تباينت؛ فبينما يمثل شاكر المنطلق الأثري الحديثي المتقيد بالنص، يميل رشيد رضا إلى النَّفس الأصولي والمقاصدي العقلاني. وفي مسألة الإجماع، ينكر شاكر إمكانه لوجستياً وعملياً، بينما سعى رشيد رضا لإعادة تأويله كـ "شورى" للأمة. كان هدف شاكر العودة لمنهج السلف وأهل الحديث، بينما كان هدف رشيد رضا النهضة الإسلامية وتجديد الفكر السياسي.

## التحليل السوسيولوجي لمقولة "نبز المخالف بالكفر"

إن تشخيص شاكر لظاهرة التكفير المبني على الإجماع المدعى يلمس وتراً حساساً في تاريخ المجتمعات الإسلامية. فالفقهاء، عندما يواجهون تحديات اجتماعية أو سياسية، يميلون إلى إضفاء صفة "الإجماع" على آرائهم ليجعلوا من الخلاف معهم خروجاً عن الملة.

هذا التحليل يتجاوز الفقه إلى "سوسيولوجيا السلطة الدينية". فادعاء الإجماع هو في جوهره محاولة للاستحواذ على "الحقيقة المطلقة" ومنع التعددية داخل الإطار الإسلامي. إن صرخة شاكر ضد هذا المسلك هي دعوة للعودة إلى "رحابة الخلاف" التي كانت سمة السلف الصالح، والاعتراف بأن معظم المسائل الفقهية هي مسائل ظنية لا تحتمل القطع، فضلاً عن التكفير.

## الإجماع بين القطعية والظنية في فكر شاكر

يعيد شاكر ترتيب خارطة الحجية في الفكر الإسلامي. فبدلاً من المثلث التقليدي، يضع شاكر الإجماع في مرتبة تابعة بالكامل للنص المتواتر. فالإجماع القطعي هو مجرد "تجلٍ" للنص المتواتر كالصلوات الخمس، أما الإجماع الظني الذي يدعيه الأصوليون في مسائل الفروع فهو عنده "خيال" لا يرقى لمرتبة الحجة.

هذه الرؤية تجعل "النص" هو الحاكم الوحيد، وتلغي فكرة أن الإجماع يمكن أن "ينسخ" النص أو يخصصه أو يرفع حكمه. بالنسبة لشاكر، لا يمكن لأي اتفاق بشري أن يقف في وجه نص نبوي صحيح.

## الخاتمة: آفاق المستقبل لمفهوم الإجماع

إن دراسة موقف الإمام أحمد شاكر من الإجماع تكشف عن عمق الأزمة المنهجية في التعامل مع التراث الأصولي. لقد كان شاكر يطمح إلى بناء "أصول فقه" تتسق مع صرامة "علم الحديث"، حيث لا مكان لادعاءات لا يمكن إثباتها عبر سلاسل الرواية أو التواتر الضروري.

إن مقولته بأن الإجماع الأصولي "خيال" تظل صرخة في وجه التوظيف الأيديولوجي للدين، وتذكيراً بأن الشريعة في جوهرها قائمة على "البينة" لا على "الدعوى". وفي ظل العصر الرقمي الحالي، قد يحتاج العلماء إلى إعادة قراءة شاكر، ليس لتبني إنكاره بالضرورة، بل لتبني "أمانته العلمية" في التمييز بين ما هو يقيني مجمع عليه حقيقة، وبين ما هو اجتهاد مذهبي أُلبس ثوب الإجماع لإسكات المخالفين ونبزهم بالكفر.

## المصادر والمراجع

 * ابن حزم، علي بن أحمد. *المحلى بالآثار*. تحقيق أحمد محمد شاكر. بيروت: دار الكتب العلمية، 2015.

 * الشافعي، محمد بن إدريس. *جماع العلم*. تحقيق أحمد محمد شاكر. القاهرة: مكتبة ابن تيمية، 1986.

 * الشافعي، محمد بن إدريس. *الرسالة*. تحقيق أحمد محمد شاكر. القاهرة: مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 1940. 

 * الصياد، محمد. "الحاكمية بين الشيخ رشيد رضا وتلميذه." *مدونات الجزيرة*، 4 مايو/أيار 2021.

 * قبوة، حكيم بن ساعد. "منهج العلامة أحمد شاكر في إعلال الحديث من خلال تحقيقه لسنن الترمذي والجزء الأول من المسند." *مجلة القلم للعلوم الإنسانية والتطبيقية* 7، العدد 16 (2020): 130–167.

 * الهنداوي، حسن بن إبراهيم. *الإجماع الأصولي وأثره في وحدة الأمة الإسلامية وتماسكها*. ماليزيا: الجامعة الإسلامية العالمية، 1991. 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

# منهجية التكبير الفردي والجماعي في الفقه الإسلامي: دراسة تحليلية مقارنة للأدلة والأقوال والعلل الحديثية ## تأصيل صفة التكبير الفردي في الشعيرة الإسلامية

# فقه دار الهجرة: دراسة تحليلية في الأصول المنهجية والتطبيقات العملية للمذهب المالكي ## المدخل المنهجي والأصولي للمذهب المالكي

# وجوب تأخير الأضحية عن صلاة العيد وحكم ذبحها قبل الإمام