# أحكام الطهارة والغسل من الجنابة من مياه البرك والحياض التي ولغت فيها الكلاب والخنازير: دراسة فقهية تحليلية مقارنة
تعد مسألة الطهارة من المياه التي خالطتها الحيوانات، ولا سيما الكلاب والخنازير، من أدق المسائل التي تناولها الفقهاء المسلمون عبر العصور، نظراً لتعلقها بشرط أساسي من شروط صحة الصلاة، وهو طهارة البدن والثوب والمكان، فضلاً عن رفع الحدث الأكبر. يكتسب البحث في حكم الغسل من الجنابة من بركة ولغ فيها الكلب والخنزير أهمية بالغة في السياقات الرعوية والريفية، حيث تكون مصادر المياه المفتوحة عرضة لتردد الحيوانات والسباع عليها. يتطلب هذا البحث سبراً لأغوار المذاهب الأربعة، وتحليلاً للنصوص النبوية الواردة في الولوغ، وتفكيكاً للقواعد الأصولية التي تفرق بين الماء القليل والكثير، وبين النجاسة العينية والنجاسة الحكمية، مع استعراض شامل للأدلة النقلية والعقلية التي وجهت أنظار المجتهدين في هذه النازلة.
## الأسس اللغوية والشرعية لمفاهيم السؤر والولوغ
ينطلق التحليل الفقهي من تحديد دقيق للمصطلحات التي يدور حولها الحكم الشرعي. يُعرف "السؤر" في لسان العرب بأنه ما تبقى من الشراب في الإناء بعد شرب الشارب منه، وقد توسع الفقهاء في هذا المفهوم ليشمل لعاب الحيوان ورطوبة فمه التي تنفصل عنه وتخالط المائع أو الطعام [1، 2]. أما "الولوغ" فهو الفعل المخصوص الذي يقوم به الكلب أو غيره حين يشرب بطرف لسانه، محركاً إياه في الماء، سواء ابتلع منه شيئاً أو لم يبتلع [3، 4].
يرتبط الحكم الشرعي للولوغ بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، المخرج في الصحيحين وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» [5، 6]. يمثل هذا النص نقطة الانطلاق المركزية لكافة المدارس الفقهية، حيث تباينت الاستنباطات منه بناءً على تكييف لفظ "طهور" و"الإناء" وعلة "التسبيع والتتريب". فبينما ذهب الجمهور إلى أن الأمر بالغسل معلل بنجاسة لعاب الكلب، رأى فريق آخر أن الحكم تعبدي لا يقتضي النجاسة العينية [2، 4، 9].
## التكييف الفقهي لعين الكلب ونوعية نجاسته في المذاهب الأربعة
لقد انقسمت أنظار الفقهاء في الحكم على الكلب إلى اتجاهات ثلاثة رئيسية، أثرت بشكل مباشر على حكم المياه التي يردها هذا الحيوان.
### المدرسة المالكية والنزوع نحو طهارة الأعيان الحية
يقف المذهب المالكي في موقف متميز يرى طهارة الكلب عيناً وسؤراً. ينبني هذا الموقف على قاعدة أصولية مالكية تقرر أن "كل حي طاهر"، وأن النجاسة إنما تطرأ بالموت أو بالاستحالة إلى ما هو نجس [1، 4]. يرى المالكية أن الكلب ليس نجساً في ذاته، واستدلوا على ذلك بإباحة اقتنائه للصيد والحرص على ما يمسكه بفمه من الصيد؛ فلو كان ريقه نجساً لنجس الصيد الذي يعضه، ولأمر الشرع بغسل موضع العض سبعاً، وهو ما لم يرد [4، 7].
أما عن حديث التسبيع والتتريب، فقد وجهه المالكية توجيهاً "تعبدياً"؛ أي أن الغسل مطلوب شرعاً امتثالاً للأمر النبوي، لا لأن الإناء تنجس حقيقة. فالطهارة في الحديث قد تأتي بمعنى النظافة اللغوية أو التعبد المحض، كما في طهارة أعضاء الوضوء الطاهرة أصلاً [4، 9]. وبناءً عليه، فإن الولوغ في البركة عند المالكية لا ينجسها، والغسل منها صحيح ورافع للحدث الأكبر دون كراهة.
### مذهب الشافعية والحنابلة في تغليظ النجاسة
في المقابل، ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الكلب نجس العين بجميع أجزائه: لعابه، وشعره، وعرقه، وبوله [2، 3]. اعتمد هؤلاء على دلالة لفظ "طهور" في الحديث، حيث إن الطهارة الشرعية لا تكون إلا عن حدث أو خبث، ولما لم يكن الإناء محدثاً، تعين كونه نجساً [2، 5]. كما استدلوا بزيادة "فليرقه" في رواية مسلم، مؤكدين أن الشرع نهى عن إضاعة المال، فلو لم يكن الماء قد تنجس بولوغ الكلب لما أمر بإراقته [2، 5].
تعد نجاسة الكلب عند هؤلاء "نجاسة مغلظة" لا تطهر إلا بسبع غسلات، تكون إحداهن بالتراب [2، 3، 5]. هذا التوصيف يقتضي أن البركة إذا كانت صغيرة (أقل من قلتين) فإنها تنجس بمجرد الولوغ، ولا يجوز الغسل منها للجنابة [1، 2، 3].
### الموقف الحنفي والتمييز بين اللحم واللعاب
يرى الحنفية موقفاً وسطاً؛ فهم لا يقولون بنجاسة عين الكلب كالحيوان نفسه، بل يقولون بنجاسة لحمه ولعابه فقط [1، 9]. فالكلب عندهم طاهر العين ما دام حياً، ولكن لعابه نجس لأن اللعاب يتولد من اللحم، ولحم الكلب محرم نجس. أما عن كيفية التطهير، فقد خالف الحنفية الجمهور في وجوب التسبيع والتتريب، ورأوا أن الواجب هو الغسل ثلاثاً حتى تزول النجاسة [1، 9].
## أحكام ولوغ الخنزير ومدى إلحاقه بالكلب في التطهير والتسبيع
يمثل الخنزير حالة فقهية خاصة، حيث اتفق الفقهاء على تحريم أكله لقوله تعالى: «أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ»، ولكنهم اختلفوا في طهارة عينه حال حياته وفي وجوب تسبيع غسل ما ولغ فيه.
ذهب الشافعية والحنابلة في المذهب إلى أن الخنزير نجس العين كالكلب، بل هو أغلظ منه لأنه لا يُباح اقتناؤه بحال، وبناءً على هذا القياس "الأولوي"، أوجبوا في ولوغ الخنزير الغسل سبعاً إحداهن بالتراب [2، 3]. في المقابل، يرى المالكية والأوزاعي أن الخنزير الحي طاهر العين، وأن ريقه طاهر، ولا يجب غسل الإناء من ولوغه سبعاً [1، 4].
بينما يميل فريق من المحققين، ومنهم الشيخ ابن عثيمين، إلى أن الخنزير نجس ولكن نجاسته كبقية النجاسات العادية (كالقول بالحنفية في رواية)، فتطهر بغسلها حتى تزول العين دون اشتراط السبع ولا التراب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على الكلب وشدد فيه مع وجود الخنزير في عهده ولم يلحقه به [7، 10].
## معايير التفريق بين الماء القليل والكثير وتأثير الولوغ على طهورية البرك
تعتبر قاعدة التفريق بين الماء القليل والكثير هي المفصل في تحديد حكم الغسل من البركة. يتفق الفقهاء (خارج المذهب المالكي) على أن الماء إذا كان قليلاً فإنه يتأثر بالنجاسة بمجرد الملاقاة، أما الماء الكثير فلا ينجس إلا بالتغير [1، 2].
اعتمد الشافعية والحنابلة حديث القلتين ضابطاً للتفريق؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» [1، 3]. وقد اجتهد العلماء في تقدير القلتين بالمعايير الحديثة؛ حيث قدرها الشافعية القدامى بنحو 500 رطل عراقي، بينما تراوحت التقديرات المعاصرة بين 160.5 لتر (حسب المجمع الفقهي) و300 لتر (حسب الشيخ محمد الأشقر) وصولاً إلى 307 لترات (حسب الدكتور محمد الخاروف). وبشكل عام، إذا كانت البركة تحتوي على ما يزيد عن 200 لتر تقريباً، فإنها تعد "ماءً كثيراً"، وفي هذه الحالة، إذا ولغ فيها كلب أو خنزير ولم يتغير لون الماء أو طعمه أو ريحه، فإن الماء يبقى طهوراً ويجوز الغسل منه للجنابة بالإجماع [1، 2، 3].
أما إذا كانت البركة صغيرة وكان حجم الماء فيها أقل من القلتين، فإن ولوغ الكلب فيها ينجس الماء كله عند الشافعية والحنابلة، حتى لو لم يتغير [1، 2]. وفي هذه الحالة، لا يرتفع الحدث الأكبر (الجنابة) بالغسل من هذا الماء عند أصحاب هذا القول. أما الحنفية، فيقدرون الماء الكثير ببركة لا يتحرك طرفها بتحرك الطرف الآخر، وغالباً ما تقدر بعشرة أذرع في عشرة أذرع.
## صحة الغسل من الجنابة في المياه المشكوك في طهارتها
أثار الفقهاء نقاشاً حول ما إذا كان يجب غسل البدن سبعاً إحداهن بالتراب إذا اغتسل الشخص من ماء ولغ فيه كلب. يرى بعض الشافعية والحنابلة وجوب ذلك قياساً على الإناء [2، 3]. إلا أن الرأي الأقوى دليلاً هو أن التسبيع والتتريب خاص بـ "الأواني" كما ورد في نص الحديث، أما البدن والثوب فيكفي غسلهما حتى تزول عين النجاسة دون الحاجة لسبع ولا لتراب، لأن القياس على البدن يسبب مشقة كبيرة [8، 11].
وفي حالات الضرورة وفقدان الماء الطهور في البيئات الصحراوية، أفتى الزهري وسفيان الثوري بجواز الوضوء أو الغسل من الماء الذي ولغ فيه الكلب إذا لم يوجد غيره، أخذاً بعموم النصوص، مع استحباب الجمع بين الغسل والتيمم احتياطاً.
## النوازل المعاصرة وفتاوى الجهات الرسمية
تعاملت لجان الإفتاء بمرونة مع أسئلة أصحاب المزارع؛ فأكد قطاع الإفتاء في الكويت أن المياه في الأحواض الكبيرة الجارية أو المتجددة لا تنجس بولوغ الكلب. كما أكد الشيخ ابن باز أن مقتضى الحديث خاص بالأواني المعتادة الصغيرة، أما البرك الكبيرة فلا تتأثر بولوغ الكلب وتبقى طاهرة ما لم تتغير.
ومن الناحية العلمية، يشير باحثون إلى أن الأمر بالتتريب قد يحمل تعليلاً طبياً، حيث يعمل التراب كمادة صاقلة وماصة تقتلع الميكروبات وبويضات الطفيليات الموجودة في لعاب الكلب والتي قد لا تزول بالماء وحده [1، 4].
## الخلاصة والنتائج
1. **حجم الماء**: إذا كانت البركة كبيرة (تزيد عن 200 لتر تقريباً) ولم يتغير أحد أوصافها، فالغسل فيها صحيح تماماً والماء طهور [1، 3، 7].
2. **الماء القليل**: ينجس بولوغ الكلب عند الجمهور (خلافاً للمالكية)، ولا يرتفع به الحدث الأكبر [1، 2].
3. **الخنزير**: يلحقه الشافعية والحنابلة بالكلب في التسبيع، بينما يرى المحققون أن نجاسته عادية لا تطلب السبع أو التراب لعدم النص.
4. **التتريب**: واجب في تطهير الأواني عند الشافعية والحنابلة، وغير واجب عند الحنفية والمالكية [1، 2، 4، 9].
5. **التيسير**: عند الضرورة وفقدان الماء الطهور، يمكن تقليد المذهب المالكي بطهارة السؤر تيسيراً ورفعاً للحرج [4، 12].
## المصادر والمراجع
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. *الموسوعة الفقهية الكويتية*. الكويت: وزارة الأوقاف الكويتية، 1404-1427هـ.
النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف. *المجموع شرح المهذب*. بيروت: دار الفكر، 1997.
ابن قدامة، موفق الدين عبد الله بن أحمد. *المغني*. القاهرة: مكتبة القاهرة، 1968.
ابن رشد الحفيد، محمد بن أحمد بن محمد. *بداية المجتهد ونهاية المقتصد*. القاهرة: دار السلام، 2004.
القشيري، مسلم بن الحجاج. *صحيح مسلم*. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1955.
السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث. *سنن أبي داود*. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. بيروت: دار الفكر، د.ت.
ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله. *مجموع فتاوى ومقالات متنوعة*. الرياض: دار القاسم، 1420هـ.
قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية. *مجموعة الفتاوى الشرعية*. الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2000.
الكاساني، علاء الدين. *بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع*. بيروت: دار الكتب العلمية، 1986.
ابن عثيمين، محمد بن صالح. *الشرح الممتع على زاد المستقنع*. الخبر: دار ابن الجوزي، 1422-1428هـ.
الراجحي، عبد العزيز بن عبد الله. *شرح عمدة الأحكام*. الرياض: موقع الشيخ الرسمي، 2024.
الصنعاني، محمد بن إسماعيل. *سبل السلام شرح بلوغ المرام*. القاهرة: دار الحديث، د.ت.
تعليقات
إرسال تعليق