# تموضع المدرسة الأشعرية في فضاء أهل السنة والجماعة: دراسة تحليلية عقدية وتاريخية ومقارنة
تعد قضية تعريف "أهل السنة والجماعة" وتحديد الفئات المنضوية تحت هذا اللقب الشريف من أكثر القضايا إلحاحاً وتعقيداً في تاريخ الفكر الإسلامي، إذ إنها لا تمثل مجرد توصيف فرقي، بل هي "هوية عقدية" يتوقف عليها مشروعية التلقي وصحة الانتساب إلى المنهج النبوي. يطرح السؤال حول ما إذا كان الأشاعرة يمثلون جزءاً من أهل السنة في كل الأبواب العقدية باستثناء باب الأسماء والصفات إشكالية تتطلب تفكيكاً عميقاً للمنطلقات المنهجية التي قامت عليها المدرسة الأشعرية، ومقارنتها بالمنهج الأثري (السلفي) الذي يدعي حيازة اللقب بمعناه الأخص. إن التحقيق العلمي يقتضي النظر في أصول الأشاعرة في الإيمان، والقدر، والقرآن، ومصادر التلقي، جنباً إلى جنب مع باب الصفات، لاستجلاء مدى الموافقة والمخالفة للمنهج الذي كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين.
## التأصيل المفاهيمي لمصطلح أهل السنة والجماعة
يستوجب البدء في هذا البحث تحرير مصطلح "أهل السنة والجماعة" من الناحية اللغوية والاصطلاحية، فالسنة في اللغة هي الطريقة والسيرة، أما في الشرع فهي الأخذ بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً في القول والعمل والاعتقاد. والجماعة لغةً هي الاجتماع، وفي الاصطلاح تطلق على الصحابة، وأهل العلم، والذين اجتمعوا على الحق واتبعوا السواد الأعظم من المسلمين.
يشير الاستقراء التاريخي لاستعمال هذا اللقب إلى وجود إطلاقين متباينين:
1. **الإطلاق العام (بالمعنى الأعم)**: ويقصد به تمييز المنتسبين للإسلام في مقابل الشيعة والرافضة، فكل من يثبت خلافة الخلفاء الثلاثة الراشدين الأوائل ولا يغلو في آل البيت يدخل في هذا المسمى. وبهذا الاعتبار، يندرج الأشاعرة والماتريدية تحت مظلة أهل السنة.
2. **الإطلاق الخاص (بالمعنى الأخص)**: ويقصد به "أهل السنة المحضة" أو "أهل الحديث والأثر"، وهم الذين لم يتأثروا بالقواعد الكلامية واقتصروا على اتباع ما جاء في الوحيين بفهم السلف الصالح. وفي هذا الدائرة، يرى المحققون أن الأشاعرة لا يدخلون في هذا المسمى لمخالفتهم صريح السنة في مسائل عدة.
## نشأة المدرسة الأشعرية وتحولاتها التاريخية
لا يمكن فهم علاقة الأشاعرة بأهل السنة دون تتبع المسار الفكري للإمام أبي الحسن الأشعري، الذي مرت حياته الفكرية بثلاث مراحل مفصلية: المرحلة الاعتزالية المحضة، ثم مرحلة التوسط الكلامي باتباع طريقة ابن كلاب، وأخيراً مرحلة العودة إلى منهج السلف وأهل الحديث كما صرح في كتابه "الإبانة".
تكمن الإشكالية في أن "الأشعرية المتأخرة" لم تلتزم بمرحلة الأشعري الأخيرة، بل عادت لتنهل من الأصول الكلامية، مما أدى إلى نشوء فجوة بين المذهب المستقر في كتب المتأخرين وبين منهج الأشعري الذي أعلن فيه التزامه بطريقة الإمام أحمد بن حنبل.
## تحليل دعوى الحصر: هل الخلاف محصور في الأسماء والصفات؟
على خلاف ما يروج له البعض، فإن الفحص الدقيق للمتون الأشعرية يكشف عن مخالفات منهجية في أبواب أخرى تتجاوز باب الصفات:
* **باب الإيمان وحقيقة العمل**: خالف الأشاعرة أهل السنة في تعريف الإيمان؛ فبينما يعتقد السلف أنه "قول وعمل واعتقاد"، ذهب جمهور الأشاعرة إلى أنه "التصديق القلبي" فقط، مقتربين بذلك من مذهب الإرجاء.
* **القرآن وكلام الله**: ابتكر الأشاعرة مفهوم "الكلام النفسي"، معتبرين أن القرآن المتلو مجرد "حكاية" أو "عبارة" عن كلام الله القديم القائم بذاته، وهو ما عارضه أهل السنة الذين يؤكدون أن القرآن كلام الله حقيقةً بحروفه ومعانيه.
* **باب القدر ومفهوم الكسب**: حاول الأشاعرة التوفيق بين خلق الله لأفعال العباد ومسؤولية العبد عبر نظرية "الكسب"، التي وصفها النقاد بأنها "جبر خفي"، بينما يرى أهل السنة أن العبد فاعل حقيقةً وله مشيئة تابعة لمشيئة الله.
* **مصادر التلقي**: تبرز الفجوة الجذرية في تقديم الأشاعرة للعقل على النقل عند التعارض المتوهم (القانون الكلي)، واعتبار أحاديث الآحاد ظنية لا تؤخذ في العقائد، في حين يرى أهل السنة أن الوحي هو المصدر المطلق.
## التفصيل في باب الأسماء والصفات
يمثل باب الصفات الميدان الأبرز للخلاف؛ حيث يحصر الأشاعرة الصفات الذاتية الوجودية في سبع صفات عقلية (الحياة، العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام)، ويؤولون ما عداها من الصفات الخبرية كـ (الوجه، اليدين، الاستواء، النزول) بمعانٍ مجازية.
كما يختلف المنهجان في مفهوم "التفويض"؛ فتفويض الأشاعرة هو "تفويض المعنى"، أي إنكار علمنا بمراد الله من اللفظ، بينما تفويض السلف هو "تفويض الكيفية" مع إثبات المعنى اللغوي للصفة.
## مواقف الأئمة والمؤسسات المعاصرة
اتسم موقف علماء السلفية بالتمييز؛ فرأى ابن تيمية أن الأشاعرة هم من أهل السنة بالمعنى العام في مقابل الرافضة، لكنهم ليسوا كذلك في باب الصفات والأصول الكلامية. وسار على ذلك علماء اللجنة الدائمة والشيخان ابن باز وابن عثيمين.
أما المؤسسة الأزهرية، فترى أن الأشعرية هي المذهب الذي يمثل السواد الأعظم من الأمة، وأنها المنهج الوسطي الذي يجمع بين العقل والنقل. وقد تجلى هذا النزاع في مؤتمر غروزني (2016)، الذي حاول حصر مسمى أهل السنة في الأشاعرة والماتريدية، مما أثار استياءً واسعاً وردوداً رسمية من هيئة كبار العلماء في السعودية.
## الخاتمة
إن الأشاعرة هم من أهل السنة والجماعة بالنظر إلى مقاصدهم في نصرة الشريعة والرد على الملاحدة والرافضة، وهم مخالفون لأهل السنة (الأثريين) بالنظر إلى قواعدهم الكلامية في أبواب الصفات، والإيمان، والقدر، والقرآن. لذا، فإن حصر الخلاف في باب الصفات وحده لا يستقيم مع التحقيق العلمي في أصول المذهبين.
# المصادر والمراجع
* ابن أبي العز الحنفي، علي بن علي. *شرح العقيدة الطحاوية*. تحقيق شعيب الأرنؤوط وعبد الله بن عبد المحسن التركي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1997.
* ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. *الفتوى الحموية الكبرى*. تحقيق حمد بن عبد المحسن التويجري. الرياض: دار الصميعي للنشر والتوزيع، 2008.
* ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. *مجموع الفتاوى*. جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2004.
* ابن عساكر، علي بن الحسن. *تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري*. بيروت: دار الكتب العلمية، 1418هـ.
* الأشعرى، أبو الحسن علي بن إسماعيل. *الإبانة عن أصول الديانة*. تحقيق فوقية حسين محمود. القاهرة: دار الأنصار، 1977.
* الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل. *مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين*. تحقيق هلموت ريتر. بيروت: دار صادر، 2008.
* الجاسم، فيصل بن قزار. *الأشاعرة في ميزان أهل السنة*. الكويت: مبرة الإحسان الخيرية، 2007.
* الحالي، أبو عمر حاي بن سالم. *التمييز في بيان أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة*. الكويت: غراس للنشر والتوزيع، 1428هـ.
* الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم. *الملل والنحل*. بيروت: دار المعرفة، 1404هـ.
* الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. *الاقتصاد في الاعتقاد*. تحقيق عبد الله محمد الخليلي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2004.
* اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. *فتاوى اللجنة الدائمة*. جمع وترتيب أحمد بن عبد الرزاق الدويش. الرياض: دار العاصمة.
* مؤسسة طابة. "البيان الختامي لمؤتمر غروزني: من هم أهل السنة والجماعة؟". غروزني، الشيشان، 2016.
تعليقات
إرسال تعليق