# زيادة وضع اليدين على الصدر في الحديث وأثرها في اختلاف الفقهاء
تمثل هيئة وضع اليدين في الصلاة أحد الفروع الفقهية التي تتجلى فيها دقة المحدثين في نقد الألفاظ، وبراعة الفقهاء في استنباط الأحكام من النصوص المقيدة والمطلقة. إن مسألة القبض (وضع اليمين على الشمال) في الصلاة ثابتة في أصلها من حيث الجملة، ولكن النزاع العلمي يتركز في "المكان" الذي توضع فيه اليدان؛ فبينما ذهبت المذاهب الأربعة المشهورة إلى مواضع تتراوح بين ما تحت السرة وما فوقها بقليل، برزت في العصور المتأخرة، وبناءً على تحقيقات حديثية معينة، الدعوة إلى سنية وضع اليدين على "الصدر" تحديداً. إن هذا التقرير يسعى إلى فحص الجذور الحديثية لهذه الزيادة اللفظية، ومنهجية المحدثين في قبولها أو ردها، والآثار الفقهية المترتبة على ذلك في المذاهب المتبوعة والمندثرة.
## التحليل الحديثي لأصل مشروعية القبض
لا بد قبل الخوض في زيادة "على الصدر" من تأسيس القاعدة التي انطلق منها الفقهاء، وهي مشروعية القبض في القيام. لقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في وضع يده اليمنى على اليسرى، ومن ذلك ما أخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة". كما أخرج مسلم من حديث وائل بن حجر رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم "رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر... ثم وضع يده اليمنى على اليسرى".
إن الأحاديث التي وردت في "أصل القبض" تمتاز بالصحة والثبات، وهي تشكل إجماعاً عملياً لدى جمهور الصحابة والتابعين والفقهاء، عدا ما روي عن الإمام مالك في إحدى رواياته المشهورة من القول بالسدل. إلا أن الإشكال يبرز عند البحث عن "تحديد المكان"؛ إذ إن الأحاديث الأكثر صحة (مثل روايتي البخاري ومسلم) جاءت مطلقة عن تحديد موضع اليدين من الجسد.
### دراسة حديث وائل بن حجر وزيادة "على صدره"
يعتبر حديث وائل بن حجر العمدة الكبرى والوحيدة تقريباً التي صرحت بلفظ "على صدره" في المتون المرفوعة. أخرج هذا الحديث ابن خزيمة في صحيحه من طريق مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره".
عند إخضاع هذا الإسناد لمبضع النقد الحديثي، يظهر أن المدار في هذه الزيادة هو "مؤمل بن إسماعيل". ومؤمل هذا، وإن كان وصفه بعض الأئمة بالصدق والتشدد في السنة، إلا أن جمهور النقاد على تضعيف حفظه. قال فيه البخاري: "منكر الحديث"، وقال أبو حاتم: "صدوق شديد في السنة كثير الخطأ"، والعلة الأساسية في خطئه أنه دفن كتبه وأصبح يحدث من حفظه، فدخل عليه الوهم.
وتبرز علة "الشذوذ" هنا عند مقارنة رواية مؤمل بروايات أصحاب سفيان الثوري الآخرين؛ فقد روى الحديث عن الثوري أئمة أثبات مثل وكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك، ومحمد بن كثير، وعبد الرحمن بن مهدي، وكلهم رووا الحديث بلفظ "وضع يده اليمنى على شماله" دون ذكر زيادة "على صدره". إن تفرد مؤمل (الذي في حفظه مقال) بزيادة لم يروها هؤلاء الأثبات يعد أمارة قوية لدى المتقدمين على نكارة هذه الزيادة؛ فوكيع ومحمد بن كثير وغيرهما رووا الرواية المحفوظة التي خلت من ذكر الصدر، مما يجعل زيادة مؤمل "شاذة" أو "منكرة".
## منهجية المحدثين في قبول "زيادة الثقة" وتطبيقاتها
تعد قضية "زيادة الثقة" من أكثر المسائل التي وقع فيها الخلط بين منهج المتقدمين (نقاد الحديث) ومنهج المتأخرين (الفقهاء والأصوليين). فالقاعدة عند كثير من المتأخرين هي أن "زيادة الثقة مقبولة مطلقاً" لأنها علم جديد نقله راوٍ عدل ضابط، ولا تفتقر لقبولها سوى لعدالة الراوي.
بناءً على هذه القاعدة المتأخرة، صحح إمام مثل ابن خزيمة الحديث واعتمد الزيادة، وتبعه في ذلك طائفة من المعاصرين كالشيخ الألباني والشيخ ابن باز. ولكن عند العودة لمنهج المتقدمين كالبخاري وأحمد وأبي حاتم، نجد أن الحكم على الزيادة يخضع لقرائن دقيقة، منها مرتبة الراوي، فزيادة الإمام الحافظ تختلف عن زيادة الصدوق الذي يهم، وكذلك قرينة المخالفة، فإذا كانت الزيادة تخالف رواية الجماعة أو من هم أوثق، فإنها ترد.
إن زيادة "على الصدر" عند المحققين من نقاد المحدثين تفتقر لشرط السلامة من الشذوذ؛ لأن مؤمل بن إسماعيل ليس في مرتبة تسمح له بالتفرد على كبار أصحاب الثوري بلفظ فقهي مؤثر في هيئة الصلاة. وقد أشار ابن القيم في "إعلام الموقعين" إلى أن أحداً لم يقل "على صدره" غير مؤمل بن إسماعيل.
## الأحاديث والشواهد الأخرى لزيادة "على الصدر"
لم يكتفِ القائلون بالوضع على الصدر بحديث وائل بن حجر، بل استأنسوا بشواهد أخرى يرون أنها يشد بعضها بعضاً لتصل إلى درجة "الحسن لغيره".
### حديث هلب الطائي
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث قبيصة بن هلب، عن أبيه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم... يضع هذه على صدره". إلا أن هذا الحديث معلول بجهالة قبيصة بن هلب؛ فقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ووصفه بعضهم بالمجهول. كما أن يحيى بن سعيد القطان (راوي الحديث عن الثوري عن سماك) وصف اليمنى على اليسرى "فوق المفصل"، وزيادة "على صدره" فيها ليست محفوظة عند التدقيق.
### مرسل طاوس بن كيسان
روى أبو داود في مراسيله عن طاوس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على يده اليسرى ثم يشد بينهما على صدره وهو في الصلاة". ورغم أن طاوس من كبار التابعين وثقاتهم، إلا أن الحديث "مرسل"، والمراسيل عند المحققين من أهل الحديث ضعيفة لا يحتج بها استقلالاً، خاصة في تفاصيل الهيئات، وإن حسنها بعض المعاصرين كالأرناؤوط بشواهدها.
### أثر علي بن أبي طالب في تفسير "وانحر"
استدل البعض بقوله تعالى: "فصل لربك وانحر" (الكوثر: 2)، حيث روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن معنى "النحر" هو وضع اليمين على الشمال عند النحر في الصلاة. ولكن هذا الأثر من الناحية الحديثية ضعيف جداً ولا يثبت عن علي؛ بل إن المشهور في تفسير الآية هو نحر البدن (الأضاحي) بعد صلاة العيد، وقد وصف الحافظ ابن كثير هذا التفسير بأنه "لا يصح".
## أثر الزيادة في اختلاف الفقهاء ومحل وضع اليدين
أدى الخلاف في ثبوت هذه الزيادة وفي فهم الأحاديث المطلقة إلى تباين مذاهب الفقهاء في محل وضع اليدين إلى أربعة أقوال رئيسية ضمن المدارس المتبوعة.
ذهب **الحنفية** إلى أن السنة للرجل وضع اليدين "تحت السرة"، وللمرأة "على الصدر". استدلوا بأثر مروي عن علي رضي الله عنه: "من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة". ورغم ضعف هذا الأثر بعبد الرحمن بن إسحاق الواسطي (المتروك)، إلا أنهم اعتبروه موافقاً للتواضع والبعد عن هيئة "التكفير" المكروهة لديهم.
أما **الشافعية**، فالمشهور عندهم أن اليدين توضعان "تحت الصدر وفوق السرة"، مع الميل قليلاً لجهة اليسار لقربها من القلب. واستدلوا بحديث وائل بن حجر في صحيح ابن خزيمة، لكنهم لم يطبقوا لفظ "على الصدر" حرفياً بالمعنى المتبادر (أعلى الصدر)، بل جعلوا محلها "تحت الصدر" ليكون جامعاً بين النص وبين هيئة التواضع.
ويعد **المذهب المالكي** فريداً في هذا الباب؛ فالمشهور عند المتأخرين هو "السدل" (إرسال اليدين)، بناءً على رواية ابن القاسم في المدونة أن مالكاً كره القبض في الفريضة. وتعددت التأويلات لهذه الكراهة، فمنهم من قال بخوف اعتقاد وجوبها، ومنهم من عللها بكراهة الاعتماد عند التعب، ومنهم من قال بمخالفة عمل أهل المدينة. ومع ذلك، روى مدنيو المالكية عن مالك استحباب القبض تحت الصدر وفوق السرة.
ونُقل عن **الإمام أحمد** ثلاث روايات؛ أشهرها "تحت السرة" موافقة للحنفية، والثانية "فوق السرة" موافقة للشافعية، والثالثة "التخيير" بينهما لأن الأمر واسع ولم يثبت نص قاطع. واللافت أن الإمام أحمد نص صراحة في رواية أبي داود على كراهة وضع اليدين "على الصدر" معتبراً ذلك من هيئة "التكفير".
## مفهوم "التكفير" في الصلاة وعلاقته بالكراهة
تعد كراهة السلف لوضع اليدين على الصدر مرتبطة بمفهوم "التكفير". والتكفير في هيئة الصلاة هو وضع اليدين على الصدر، وهو فعل كان يفعله الأعاجم (خاصة الفرس والمجوس واليهود) تعظيماً لملوكهم.
يرى الإمام أحمد وجماعة من السلف أن وضع اليدين على الصدر يشبه هذه الهيئة المنهي عنها، ولذلك قال أحمد: "أكره وضع اليدين على الصدر". وقد نقلت عائشة رضي الله عنها أن كراهة وضع اليد في الخاصرة أو على الصدر ترجع لكون "اليهود تفعله". هذا البُعد المقاصدي في التشريع الإسلامي يهدف إلى صيانة الصلاة من مشابهة هيئات التذلل للملوك أو أفعال أهل الكتاب.
## تحليل مواقف علماء العصر الحديث والمعاصرين
شهدت المسألة صراعاً علمياً كبيراً في العصر الحديث، خاصة مع بزوغ المدرسة السلفية التي تنشد تصفية السنة من المذاهب. انتصر الشيخ **الألباني** لزيادة "على الصدر" واعتبرها السنة الوحيدة الثابتة، وذهب إلى أن ما سواها إما ضعيف أو لا أصل له.
ووافقه الشيخ **ابن باز** والشيخ **ابن عثيمين** في ترجيح الوضع على الصدر بناءً على أن الأحاديث الواردة فيها، رغم ضعف آحادها، تتقوى بمجموعها وتعد أقوى من حديث "تحت السرة" المتفق على ضعفه. في المقابل، يرى بعض النقاد المعاصرين مثل عبد السلام الشويعر أن زيادة "على الصدر" منكرة لم تكن معروفة عند الفقهاء المتقدمين ولا الأئمة الأربعة، وأن تصحيحها ناتج عن غلبة "منهج المتأخرين" في قبول الزيادة دون اعتبار لعلل الشذوذ والنكارة.
## الخلاصات والنتائج النهائية
1. **في التحقيق الحديثي**: زيادة "على الصدر" تعاني من ضعف إسنادي ونكارة عند المقارنة؛ فالمُدار فيها على "مؤمل بن إسماعيل" الذي لا يحتمل تفرده بمثل هذا اللفظ الهام على كبار أصحاب الثوري.
2. **في المسلك الفقهي**: أجمعت المذاهب الأربعة على عدم مشروعية وضع اليدين على "أعلى الصدر" للرجال؛ بل تراوحت آراؤهم بين السدل وتحت السرة وفوقها بقليل، تجنباً لهيئة "التكفير".
3. **الأثر التربوي**: وضع اليدين يمنع المصلي من "العبث" ويجمعه على صلاته؛ وهي صفة "السائل الذليل" بين يدي الله، والأمر فيها واسع ولا ينبغي أن يكون معياراً للتبديع أو النزاع.
## المصادر والمراجع
* الألباني، محمد ناصر الدين. *أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها*. الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، 2006.
* ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله. *مجموع فتاوى ومقالات متنوعة*.
* ابن خزيمة، محمد بن إسحاق. *صحيح ابن خزيمة*. تحقيق محمد مصطفى الأعظمي. بيروت: المكتب الإسلامي، 1980.
* ابن قدامة، موفق الدين عبد الله بن أحمد. *المغني*. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي وعبد الفتاح محمد الحلو. الرياض: دار عالم الكتب، 1986.
* ابن القيم، شمس الدين محمد بن أبي بكر. *إعلام الموقعين عن رب العالمين*.
* العثيمين، محمد بن صالح. *الشرح الممتع على زاد المستقنع*. الرياض: دار ابن الجوزي.
* العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر. *فتح الباري شرح صحيح البخاري*. بيروت: دار المعرفة، 1379هـ.
* النووي، يحيى بن شرف. *المجموع شرح المهذب*. تحقيق محمد نجيب المطيعي. بيروت: دار عالم الكتب، 2003.
تعليقات
إرسال تعليق