مسألة:تولية المرأة للقضاء بين المنع و الجواز


اختلف الفقهاء في المرأة ،هل يجوز أن تتولى القضاء أم لا:

1-المذهب الأول:فذهب الجمهور (المالكية و الشافعية و الحنابلة) إلى تحريمه مطلقا .

قال ابن قدامة: "ولا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان؛ ولهذا لم يول النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد، فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه الزمان غالبا"

ويقول أبو الوليد الباجي: "ويكفي في ذلك عمل المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لا نعلم أنه قدم امرأة لذلك في عصر من الأعصار ولا بلد من البلاد، كما لم يقدم للإمامة امرأة».

و عمدة هذا المذهب:

الدليل الأول: القرآن الكريم

استدلوا بقوله - تعالى -: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾[40].

وجه الدلالة: ووجه الدلالة منَ الآية الكريمة هو أنها أفادتْ حصر القِوامة في الرِّجال دون النساء، واستفدنا الحصر من تعريف الرِّجال بلام الجنس؛ إذ إن لام الجنس إذا دخلتْ على المبتدأ قصرته على الخبر، كما تقول: الخطيب فلان، وهذا الحصر يسمى حصرًا إضافيًّا؛ أي: بالنسبة للنساء، ويستفاد مِن هذا الحصر أنَّ الله - سبحانه - جَعَل الرِّجال قوامين على النساء ولا عكس، فعلى هذا لا تَصِحُّ ولاية المرأة القضاء؛ لأن في قضائها قوامة على الرجال، وهذا مما يَتَعَارَض مع الآية الكريمة.

و أجيب عن هذا الاستدلال بأن قيل:

أن الآية الكريمة ليست في محل النزاع؛ لأن المراد منها القوامة الخاصة، وهي القوامة الأسرية التي أشار إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديثه، حيث قال: ((والرجل راعٍ في أهله، ومسؤول عن رعيته))، وهي أن يطاع، ويستأذن، ويملك حق التأديب.

وليس المراد هنا القوامة العامة التي تشمل القضاء وغيره، والذي يدل على أن المراد بالقوامة: القوامة الأسرية - الرجوع إلى سبب نزول الأية.

 فقد روي عن الحسن أنه قال: "جاءت امرأة إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - فقالت: إن زوجي ضربني، قال: ((بينكما القصاص))، فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ [طه: 114]، فأمسك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أنزل الله - تعالى -: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾".

و لو سلمنا جدلاً أن الآية تفيد العموم، فإن الاستدلال بها لا يسلم؛ لأن الدليل يجب أن ينتج تمام الدعوى، أما هنا فقد أنتج أخص من الدعوى، وبيان ذلك: أن الدعوى هي أنه لا يجوز تولي المرأة القضاء مطلقًا، لا على الرجال، ولا على النساء، ولا على الصغار، والدليل هنا لا يدل إلا على منع توليتها على الرجال، أما الصغار والنساء، فلم يَرِد الدليل عليهم؛ وبهذا يكون الدليل غير منتج لتمام الدعوى، فلا يصح الاستدلال به.

الدليل الثاني: السُّنَّة الشَّريفة:

استدل الجمهور منَ السُّنَّة الشَّريفة بدليلينِ:

أ- عن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: "لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيام الجمل، بعدما كدتُ أن ألحق بأصحاب الجمل، فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أهل فارس مَلَّكوا عليهم بنت كسرى، قال: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)).

وجْه الدلالة: ووجْه الاستدلالِ بهذا الحديث ظاهِر في مَنْع المرأة مِن تولِّي القضاء؛ حيث أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدم الفلاح لِمَن يُوَليها، وهذا التعبير من قبيل الخبر بمعنى الإنشاء؛ أي: هو خبري لفظاً، إنشائي معنى، وحتى لو قلنا بأن هذا الكلام خبر حقيقة، فإنه إخبار بعدم الفلاح لمن يقوم بهذا الفعل، وعدم الفلاح ضَرر، والضرر منهيٌّ عنه شرعًا، وهذا الضرر متمَثِّل في تولية المرأة الولايات العامَّة، فتكون هذه التولية غير جائزة.

ب-حدبث ((القضاء ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عَرَف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار)).

وجه الدلالة: ووجه الدلالة منَ الحديث أنَّه نصَّ على كون القاضي رجلاً، فيدل الحديث بمفهومه المخالف على خروج المرأة، وعدم صلاحيتها للقضاء.

الدليل الثالث: الإجماع:

ادَّعى أصحاب هذا الرأي الإجماع على مَنْع المرأة مِن تولِّي القضاء، وقالوا بأن الإجماع قائم على منعها قبل ظهور الخلاف، فلا يُعتد بمخالفة مَن خالف؛ لأنه قول من غير دليل، ومخالفته تعتبر خرقًا للإجماع فلا تُقبل، خاصة إذا ظهر هذا الرأي بعد عصر المجمعين.

و أحيب عن هذا بأن هذا الإجماع لم ينعقد ،لما ذكرنا من قبل 

أن ابن جرير الطبري و ابن حزم على خلافه ،و على هذا القول الحسن البصري رحمه الله 

الدليل الرابع: القياس:

قالوا: إنَّ المرأة ممنوعة مِن توِّلي رئاسة الدولة بالإجماع؛ استناداً إلى حديث: ((لن يُفلح قوم ولوا أمرهم امرأة))، فيُقاس عليها القضاء، بجامع أنَّ كلاًّ منهما ولاية عامة، فتكون المرأة ممنوعة مِن تولي القضاء، كما أنها ممنوعة مِن تولي رئاسة الدولة، والسبب في ذلك ضعف المرأة ونقصانها الطبيعي عنِ الرجل بسبب ما يعتريها منَ الأمور الخاصة بالنساء.

2-المذهب الثاني: ذهب الحنفية إلى أن المرأة لا يجوز توليتها للقضاء ،و لكن لو وليت ،نفذ حكمها و أثم من ولاها.

جاء في مجمع الأنهر: "ويجوز قضاء المرأة في جميع الحقوق؛ لكونها من أهل الشهادة، لكن أثم المولي لها؛ للحديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).

وقال ابن نجيم الحنفي: "لأنها أهل للشهادة في غيرها، فكانت أهلا للقضاء، لكن يأثم المولي لها".

وقال العلامة ابن الهمام في الرد على استدلال الجمهور بحديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) على عدم جواز قضائها وعدم نفاذ حكمها: (والجواب: أن غاية ما يفيده منع أن تستقضى وعدم حله، والكلام فيما لو وليت وأثم المقلد بتوليتها، أو حكمها خصمان فقضت قضاء موافقا لدين الله: أكان ينفذ أم لا؟).

و عمدة هذا المذهب:

الدليل الأول:

استدلوا أولاً على التأثيم بحديث الجمهور ذاته، وهو: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)).

وإنَّما أثبتوا به الكراهة التحريميَّة، ولم يثبتوا التحريم؛ لأنه دليل ظني، والحرام لا يثبت عندهم إلاَّ بدليلٍ قَطْعِي. 

الدليل الثاني:

واستدلوا بهذا الدليل على صحة ما قضتْ به في غير مسائل القِصاص، والحدود، وكان استدلالهم بالقياس، قالوا: إنَّ القضاء يُشارك الشهادة في باب الولاية، والمرأة يصح لها أن تشهدَ في غير الحدود والقصاص، فيصح أنْ تكون قاضيةً في غير الحُدود والقصاص، وإن أثِم موليها للدَّليل السابق، بشرط أن يوافق قضاؤها الحق.

3-المذهب الثالث: ذهب ابن جرير الطبري المفسر المشهور إلى جواز تولية المرأة للقضاء مطلقا ،و به قال ابن حزم إلا أنه قيده فيما يقبل شهادتها ،فلها أن تفصل بين خصمين و المتنازعين في الأموال و غيرها.

قال الإمام ابن حزم- رحمه الله -: «وجائز أن تلي المرأة الحكم ـ وهو قول أبي حنيفة ـ وقد روي عن عمر ابن الخطاب: أنه ولى الشفاء ـ امرأة من قومه ـ السوق.

فإن قيل: قد قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة» .

قلنا: إنما قال ذلك رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في الأمر العام الذي هو الخلافة» انتهى.

و قد أنكر ابن العربي نسبة القول بجواز تولية المرأة للقضاء إلى ابن حزم ،و لم يقم على ذلك دليل،و لا ترد الأقوال هكذا ،خاصة و قد نقل عن ابن جرير الطبري هذا القول بعض المحققين من أهل العلم ،منهم :ابن حجر العسقلاني و الماوردي و ابن رشد و ابن قدامة.

قال ابن قدامة: "وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود؛ لأنه يجوز أن تكون شاهدة فيه" .

وقال ابن رشد: "وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون المرأة قاضية في الأموال.

و قال الماوردي: "وشذ ابن جرير الطبري، فجوز قضاءها في جميع الأحكام، ولا اعتبار بقول يرده الإجماع"

فإن قيل:لا وجود لهذا القول في كتب ابن جرير الطبري ؟

قيل:كان ابن جرير الطبري أكثر المسلمين تأليفا على الإطلاق كما ذكر بعض المترجمين منهم الحافظ الذهبي ،و لا شك أن كتبه التى ضاعت و لم تصل إلينا ،أضعاف ما وصل إلينا ،و لا يظن بأهل العلم نسبة هذا القول إليه من غير دليل و من غير أن يقفوا عليه ،و خاصة قد نقلوا هذا القول بصيغة الجزم ، و لو لم يروا صحة هذا القول عنه لرووه بصيغة التمريض"روي".

و عمدة هذا المذهب:

الدليل الأول:

الأصل: أن كل مَن تكون عنده مقدرة على الفصل بين الناس، يكون حكمُه جائرًا، وهذا الأصل عام تدخل فيه جميع الولايات، وقد خُصص هذا العامُّ بإجماع العلماء، فأجمعوا على منع المرأة من ولاية رئاسة الدولة؛ استنادًا إلى حديث: ((لن يفلح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأةً)) المفيد لهذا الحكم، فيستثنى من الأصل العام، ويبقى ما عداه على حكم الأصل، فنصل إلى أنه يجوز للمرأة أن تتولى القضاء، ولا تعتبر أنوثتها مانعًا؛ لأنها لا تؤثر في فهمها للحجج، وفصلها في الخصومات.

الدليل الثاني:

قياس القضاء على الشهادة، قالوا: بما أن الشهادة ثابتة للمرأة بنص القرآن الكريم في قوله - تعالى -: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾ [البقرة: 282]، فيجوز للمرأة أن تتولى القضاء، قياسًا على قبول شهادتها؛ بجامع الولاية في كلٍّ.

الدليل الثالث:

قياس القضاء على الولاية الأسرية، حيث إن الشرع أعطى المرأة حقَّ الولاية على بيت زوجها، وقيامها على إدارته، وتدبير شؤونه؛ بدليل ما روى ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كلكم راعٍ، ومسؤول عن رعيته... والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسؤولة عن رعيتها)) فيجوز توليتها القضاء، قياسًا على ولايتها بيت زوجها؛ بجامع الولاية في كل.

الدليل الرابع:

قياس القضاء على الحِسبة، فيما أن المرأة يجوز لها القيام بالحسبة؛ لما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أنه ولَّى أم الشفاء - امرأة من قومه - السوق (ولاية الحسبة)، فدل هذا على جواز توليتها الحسبة، فيقاس عليها القضاء؛ بجامع أن كلاًّ منهما ولاية عامة.

الدليل الخامس:

قياس القضاء على الإفتاء، فكما أن المرأة يجوز لها أن تكون مفتية، فإنه يجوز لها أن تكون قاضية؛ بجامع أن كلاًّ من الإفتاء والقضاء مظهر لحكم الشرع.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

# منهجية التكبير الفردي والجماعي في الفقه الإسلامي: دراسة تحليلية مقارنة للأدلة والأقوال والعلل الحديثية ## تأصيل صفة التكبير الفردي في الشعيرة الإسلامية

# فقه دار الهجرة: دراسة تحليلية في الأصول المنهجية والتطبيقات العملية للمذهب المالكي ## المدخل المنهجي والأصولي للمذهب المالكي

# وجوب تأخير الأضحية عن صلاة العيد وحكم ذبحها قبل الإمام