مسألة: في بعض الأقوال المرجوحة في الفقه الإسلامي
.
إن الناظر في كتب الفقه و خاصة الكتب التى تعني بالخلاف العالي ،كالمحلى لابن حزم و المغني لابن قدامة و بداية المجتهد لابن رشد و المجموع للإمام النووي ،و غيرها....،لا يكاد يجد مسألة لم يختلف فيها الفقهاء ،و السبب في ذلك يعود إلى أسباب كثيرة منها:تفاوت درجاتهم في معرفة النصوص و فهمها ،و لا شك أن هذه الأقوال منها القوي الراجح و منها الضعيف المرجوح و فيما يلي بعض الأقوال المرجوحة في الفقه الإسلامي:
1-القول الأول: قول ابن حزم (البكر إذا استأذنها وليها فرضيت بالزوج ،فلا يجوز لها أن تصرح بالرضا ،بل يجب عليها أن تصمت).
هذا القول انفرد به ابن حزم رحمه الله جريا على ظاهريته ، و جمهور الفقهاء على خلافه .
قال ابن حزم في المحلى: و«كل بكر فلا يكون إذنها في نكاحها إلا بسكوتها، فإن سكتت فقد أذنت ولزمها النكاح، فإن تكلمت بالرضا أو بالمنع أو غير ذلك، فلا ينعقد بهذا نكاح عليها. انتهى».
و لا شك أن قول إمامنا ابن حزم ضعيف ، و وجه ضعفه:
أن القول أبلغ و آكد من الإشارة و السكوت.
قال ابن قدامة في المغني: فصل: فإن نطقت بالإذن، فهو أبلغ وأتم في الإذن من صمتها. انتهى.
و إنما جاز لها الصمات مع الرضا،لأن البكر في خير القرون تستحيي من التصريح بالرضا.
قال شمس الحق أبادي في عون المعبود: (وإذنها صُماتها): بضم الصاد، أي: سكوتها، يعني لا تحتاج إلى إذن صريح منها، بل يكتفى بسكوتها، لكثرة حيائها. انتهى.
وقال ابن القيم في زاد المعاد: وقضى صلى الله عليه وسلم بأن إذن البكر الصمات، وإذن الثيب الكلام، فإن نطقت البكر بالإذن بالكلام فهو آكد.
وقال ابن حزم: لا يصح أن تزوج إلا بالصمات، وهذا هو اللائق بظاهريته. اهـ.
2-القول الثاني: القول بتحريم تحية المسجد أثناء الخطبة.
هذا القول انفرد به المالكية :
جاء في "الفواكه الدواني" :
"ودليلنا ما في أبي داود والنسائي أن رجلا تخطى رقاب الناس والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له: اجلس فقد آذيت، فأمره بالجلوس دون الركوع، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وخبر: إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت، نهى عن النهي عن المنكر مع وجوبه، فالمندوب أولى، وأما خبر سليك، فيحتمل نسخه... وعلى تقدير معارضته وعدم نسخه فحديثنا أولى، كما قال ابن العربي لاتصاله بعمل أهل المدينة، ولجريه على القياس... (1/266).
و وجه ضعف هذا القول ،أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم (إذا جاء أحدكم و الإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين خفيفتين).
فهذا الحديث نص صحيح صريح في محل النزاع:
-فإن قالوا:إن الحديث منسوخ ،قيل لهم :تقرر في الأصول أنه لا يثبت النسخ إلا بشروط منها نص صحيح يدل على ذلك ،أو عند التعارض من كل وجه بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين ،و معرفة التاريخ بحيث يعرف المتقدم المنسوخ و المتأخر الناسخ ،و كل هذه الشروط غير متوفرة هنا.
أما الاستدلال بحديث (اجلس فقد آذيت) :فإنما جاء في رجل تخطى رقاب الناس ،و تخطي رقاب الناس ممنوع لما فيه من إيذاء الناس و لذا قال له "فقد آذيت".
فإن قالوا:لم يأمره بالصلاة.
قيل لهم:ليس في الحديث أن الرجل لم يصل تحية المسجد ، لعله صلى عند دخوله ،ثم أراد أن يتقدم إلى الصف الأول .
و على فرض أنه لم يصل تحية المسجد عند دخوله ،فلعل النبي صلى الله عليه و سلم لم يأمره بالصلاة ،لأن تحية المسجد ليست واجبة ،فلا إثم في تركها.
و قد تكون هذه الواقعة قبل حديث (إذا جاء أحدكم و الإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين خفيفتين).
فإن قالوا: إذا قولك لصاحبك " اسكت" ممنوعا و هو من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ،فالاشتغال بالصلاة أيضا ممنوع.
قيل لهم:إن النبي صلى الله عليه و سلم هو الذي أمر بالسكوت أثناء الخطبة و هو الذي أمر بالصلاة أثناء الخطبة و لا تعارض بين الأمرين حتى يصار إلى الترجيح،فيمكن الصلاة من غير كلام.
3-القول الثالث:(قول من قال بصحة الصلاة بغير فاتحة الكتاب)
و هو قول انفرد به الحنفية عن جماهير فقهاء الأمصار من الصحابة إلى من جاء بعدهم.
و الدليل على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة و عدم صحة الصلاة بتركها.
1-قوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه.
فإن قالوا:التقدير في "لا صلاة" هو "لا صلاة كاملة"
قيل لهم:يرده قوله عليه السلام (لا يجزئ صلاة)
2-ما رواه صلى الله عليه وسلم عن ربه، قال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين}، قال الله تعالى: حمدني عبدي...) رواه مسلم. قالوا: فقد تولى سبحانه قسمة القرآن بينه وبين العبد بهذه الصفة، فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
قال ابن العربي: "وهذا دليل قوي" على أن صحة الصلاة متوقفة على قراءة الفاتحة.
3-و بما رواه ابن أبي شيبة عن عمر رضي عنه أنه قال: (لا تجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وآيتين فصاعداً). ونحو هذا ما روي عن عمران بن حُصين رضي
تعليقات
إرسال تعليق