# مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع الأشاعرة: تفكيك المسائل العقدية والمنهجية بطريقة السؤال والجواب
### السؤال التمهيدي: ما هي الأهمية التاريخية والمنهجية لمناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع الأشاعرة؟
**الجواب**: تعد المناظرات العقدية التي دارت بين شيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء الأشاعرة في القرن الثامن الهجري من أهم المحطات الفكرية في تاريخ علم الكلام الإسلامي. فقد أسست هذه السجالات لمرحلة جديدة من الصراع المعرفي والمنهجي بين مدرستي الأثر والكلام، وتجاوزت حدود المناقشات النظرية لتتقاطع مع السياقات السياسية والقضائية والاجتماعية في العصر المملوكي. ويقدم هذا التقرير تفكيكاً دقيقاً لجميع المسائل العقدية والمنهجية والتاريخية التي وردت في ملف هذه المناظرات صياغةً بأسلوب السؤال والجواب الاستقصائي العلمي.
### المسألة الأولى: سياق ودواعي تأليف "العقيدة الواسطية" ومجالس مناظرتها الأولى في دمشق
**السؤال**: ما هي الخلفيات التاريخية والمنهجية التي دعت شيخ الإسلام ابن تيمية لتأليف رسالته "العقيدة الواسطية" سنة 698 هـ، وكيف عقدت المجالس الأولى لمناظرتها؟
**الجواب**: يعود الدافع المباشر لتأليف "العقيدة الواسطية" إلى سنة 698 هـ، حين قدم إلى دمشق قاضي قضاة واسط، الشيخ كمال الدين الواسطي الشافعي، شاكياً ما يعيشه الناس في بلاده من الجهل والاضطراب العقدي والبدع، والفتن التي تسببت فيها هجمات التتار على الحواضر الإسلامية. فطلب الواسطي من ابن تيمية كتابة عقيدة تكون مرجعاً معتمداً لأهل بيته وبلاده. ورغم تمنع الشيخ في البداية بحجة وجود عقائد أئمة السلف المصنفة، إلا أنه كتبها في جلسة واحدة بعد صلاة العصر بناءً على إلحاح السائل.
وقد أثارت هذه الرسالة حفيظة طائفة من علماء المذاهب والوظائف الرسمية في الشام، والذين كانوا يتولون القضاء والإفتاء والأوقاف. فاستُدعي ابن تيمية سنة 705 هـ بأمر من السلطان وتحت رعاية الأمير سيف الدين جاغان لعقد مجالس مناظرة علنية لتوضيح معتقده والدفاع عنه أمام القضاة والمشايخ. وقد عُقدت ثلاثة مجالس متفرقة، قرئت فيها الواسطية بتمامها، واستمع الحاضرون إلى أدلة ابن تيمية، مما أدى في النهاية إلى إقرار المعترضين بما فيها وسكوتهم، وحكَمَ الحافظ الذهبي بوقوع الاتفاق على أنها "معتقد سلفي جيد".
### المسألة الثانية: التفريق المنهجي بين التحريف والتعطيل ونفي التعبير بـ "التأويل"
**السؤال**: لِمَ قرر ابن تيمية نفي "التحريف والتعطيل" في مطلع الواسطية، وكيف واجه اعتراضات الخصوم على عدم ذكر لفظ "التأويل"؟
**الجواب**: انطلق ابن تيمية في تقرير مذهب السلف من وجوب الإيمان بما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله من غير "تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل". وقد اعترض بعض الفقهاء الأشاعرة في مجلس المناظرة على هذا التعبير، مبيِّنين أن مقصود ابن تيمية بنفي "التحريف والتعطيل" هو إبطال "التأويل" الذي يعتمده المتكلمون، والذين يُعرّفونه بأنه صرف اللفظ عن ظاهره لقرينة عقليّة.
ورد ابن تيمية موضحاً أن "التحريف" هو اللفظ الشرعي الوارد في القرآن بذم من يحرف الكلم عن مواضعه، وهو إزالة اللفظ عما دل عليه من المعنى بغير دليل لغوي أو شرعي مقترن. وبيّن الشيخ أنه تعمد تجنب نفي لفظ "التأويل" في متنه العقدي؛ لأن "التأويل" لفظ مجمل ومستعمل في لغة المتأخرين بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره، بينما له معانٍ شرعية صحيحة في لغة القرآن والسلف، مثل تفسير الكلام أو عاقبته وما يؤول إليه. ولأن استعمال الألفاظ القرآنية أدفع للخصومة وأبطل لشبهات الخصوم، آثر نفي التحريف والتعطيل لكونهما يعبران بدقة عن جناية نفي الصفات الإلهية.
### المسألة الثالثة: دلالة آية التكليم ومفهوم المجاز والتأويل الباطني
**السؤال**: ما هو المأخذ المنهجي واللغوي الذي ألزم به ابن تيمية مناظريه في مسألة تأويل آية تكليم الله لموسى، وما ارتباط ذلك بالتأويلات الباطنية؟
**الجواب**: طُرحت في المناظرة مسألة تأويل قوله تعالى: «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا» [النساء: 164]، حيث ذهب بعض الجهمية والمعتزلة وتأثر بهم بعض الأشاعرة إلى تأويل التكليم بأنه "الجرح" (مشتقاً من الكَلْم وهو الجرح)، زاعمين أن المعنى هو: جرحه بأظافير الحكمة تجريحاً.
ونقض ابن تيمية هذا التأويل من وجهين عقلي ولغوي؛ مبيناً أولاً أن ورود المصدر مؤكِداً للفعل «تكليماً» في لغة العرب يقطع احتمال المجاز ويوجب حقيقة اللفظ. وثانياً، لو كان التكليم يعني الجرح بأظافير الحكمة، لكان الأنبياء كلهم قد جرحهم الله ولم يعد لموسى عليه السلام أي خصيصة أو فضيلة تميزه بلقب "كليم الله".
ثم ألزم ابن تيمية خصومه بأن فتح باب هذا التأويل الباطل والتمحل اللغوي يفتح الباب على مصراعيه لتأويلات القرامطة والباطنية الرافضة والقدرية الذين يؤولون الصلاة والصيام والزكاة والقيامة إلى معانٍ رمزية باطنية تهدم أركان الشريعة وعملها. ولم يستطع الخصوم رد هذا الإلزام؛ لأن أئمة الأشاعرة أنفسهم لديهم مصنفات في رد تأويلات الباطنية بمثل هذا التمسك بالحقائق اللغوية.
### المسألة الرابعة: إيثار لفظ "التمثيل" على لفظ "التشبيه" في نفي المماثلة
**السؤال**: لِمَ عدل شيخ الإسلام ابن تيمية عن نفي لفظ "التشبيه" في الواسطية وآثر استعمال نفي "التمثيل"؟
**الجواب**: بيّن ابن تيمية في مجالس دمشق أنه تعمد استعمال لفظ "التمثيل" وتجنب لفظ "التشبيه" لأن لفظ "التمثيل" هو اللفظ الشرعي الوارد في القرآن والسنة , كقوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» [الشورى: 11]، وقوله: «هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا» [مريم: 65].
أما لفظ "التشبيه" فهو غير موجود في النصوص الإلهية نفياً أو إثباتاً. علاوة على ذلك، فإن لفظ "التشبيه" صار عند المتكلمين لفظاً مجملاً وفضفاضاً؛ فالأشاعرة والمعتزلة يتوسعون في معناه حتى يطلقون وصف "المشبهة" على كل من يثبت الصفات الخبرية (كالوجه واليدين والعينين) أو صفة العلو الذاتي والاستواء. فلو نفى ابن تيمية "التشبيه" بإطلاق لربما استغله الخصوم لنفي الصفات الإلهية الثابتة. ولذلك، فإن نفي "التمثيل" يمنع تمثيل الخالق بالمخلوق مع الإبقاء على حقيقة الصفات التي أثبتها الله لنفسه.
### المسألة الخامسة: التكييف وحقيقة صفات الرب عند السلف الصالح
**السؤال**: كيف حدد ابن تيمية الفارق بين العلم بمعاني نصوص الصفات وبين العلم بكنهها وحقيقتها (التكييف والتأويل)؟
**الجواب**: قرر ابن تيمية أن التكييف (وهو كنه الصفة وصورتها الحقيقية) منفي باتفاق سلف الأمة لعدم وجود طريق علمي للبشر يحيط بكيفية ذات الله وصفاته. وأكد أن تأويل آيات الصفات يشتمل على معرفة حقيقة الموصوف وحقيقة صفاته، وهو من التأويل الغيبي الذي استأثر الله بعلمه وحده ولا يعلمه إلا هو.
وبذلك أسس الشيخ للفصل المنهجي بين أمرين: العلم بمعاني الألفاظ اللغوية (وهو معلوم للبشر ومخاطبون بفهمه)، وبين حقيقة الكيفية والكنه (وهو المجهول المفوض لله تعالى). وبناء على هذا، فإن التفويض المقبول عند السلف هو تفويض علم الكيفية لا تفويض معاني الألفاظ وإفراغ نصوص الوحي من دلالاتها اللغوية الظاهرة.
### المسألة السادسة: مذهب السلف الصالح مقابل مذهب الإمام أحمد بن حنبل
**السؤال**: كيف واجه ابن تيمية محاولة القاضي تأطير معتقده بأنه يمثل "مذهب الإمام أحمد بن حنبل" فحسب لتلافي اعتراض الفقهاء؟
**الجواب**: خلال جلسات المناظرة بدمشق، عندما رأى حاكم المجلس ممالأة الفقهاء الأشاعرة وتعصبهم ضد ابن تيمية وخشي من وقوع فتنة، حاول قطع الخصومة بصيغة سياسية توفيقية. فقال لابن تيمية: "أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد، فتقول هذا اعتقاد أحمد"؛ بهدف جعل العقيدة خاصة بمذهب فقهي متبوع فلا يحق لأصحاب المذاهب الأخرى كالشافعية والمالكية الاعتراض عليها.
ورفض ابن تيمية هذا المخرج السياسي بصرامة علمية قائلاً: «ما جمعتُ إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم، ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا». وأوضح أن المعتقد الذي سطره في الواسطية هو اعتقاد أئمة الإسلام كافة دون استثناء، وإنما نُسب للإمام أحمد اختصاص بالذكر نظراً لثباته وصبره في إظهار هذا الحق ودفع باطل الجهمية في محنة خلق القرآن الشهيرة، وإلا فإن أحمد لم يبتدع قولاً من عنده بل سار على ما كان عليه أئمة الصدر الأول.
### المسألة السابعة: الكلام الإلهي ونظرية "الكلام النفسي" للأشاعرة
**السؤال**: ما هي حدود الخلاف الجوهري بين مدرسة السلف والأشاعرة في مسألة "كلام الله"، وكيف نقض ابن تيمية عقيدة "الكلام النفسي"؟
**الجواب**: يكمن الخلاف في أن الأشاعرة يقررون أن كلام الله هو "كلام نفسي" قائم بالذات الإلهية، وهو معنى واحد أزلي لا يتبعض ولا يتجزأ، وليس فيه حروف ولا صوت. أما الحروف المكتوبة في المصاحف والأصوات المقروءة المسموعة في المحاريب فهي عبارة مخلوقة دالة على ذلك الكلام النفسي، أوجدها جبريل أو محمد عليهما السلام للتعبير عما في ذات الرب.
وقد شنع ابن تيمية على هذه المقالة مستدلاً بما يلي:
* أولاً: أن مقولة "الكلام النفسي" لم يعرفها أحد من بني آدم قبل الأشاعرة، حتى المعتزلة أنفسهم أنكروها وألزموا الأشاعرة بالتناقض؛ إذ كيف يُسمى المتكلم متكلماً بكلام لا حرف فيه ولا صوت؟.
* ثانياً: أن القول بأن الحروف المكتوبة مخلوقة يؤول بالضرورة إلى قول المعتزلة والجهمية بخلق القرآن.
* ثالثاً: نصرة مذهب السلف بأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته كلاماً حقيقياً بحرف وصوت مسموع، واستشهد بحديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه في الصحيحين: «فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تبعث بعثاً إلى النار». وحين سأل الأمير الحاضرين عن صحة الحديث اضطر الخصوم للإقرار به وصحته ونزولهم على مدلوله العقدي.
### المسألة الثامنة: دلالة "الصوت صوت القارئ والكلام كلام الباري" ومسألة التبليغ
**السؤال**: كيف استثمر ابن تيمية تفصيل الإمام البخاري في كتابه "خلق أفعال العباد" لحل الشبهة الكلامية حول حدوث الأصوات وقدم الكلام؟
**الجواب**: ينشأ اللبس عند الأشاعرة من زعمهم أنه إذا كان القرآن يتلى بأصوات القراء المحدثة، فيجب أن يكون المتلو محدثاً ومخلوقاً كأصواتهم. وحل ابن تيمية هذا الإشكال بالرجوع إلى أصل الإمام البخاري في كتابه "خلق أفعال العباد"، وهو تفريقه بين الآلة والصفة الحاصلة بها: «الصوت صوت القاري، والكلام كلام الباري».
فحين يقرأ القارئ القرآن، فإن الصوت المسموع هو حركة لسان العبد وحنجرته وهما مخلوقان يقيناً، ولكن الكلام المتلو والمسموع بحروفه ومعانيه هو كلام الخالق الذي تكلم به ابتداءً لا انتهاءً. وأوضح الشيخ بالمنطق واللغة أن الكلام يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً (وهو الله سبحانه)، لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً (وهو القارئ البشري). ومثّل لذلك بإنشاد قصائد شعراء الجاهلية كلبيد أو عنترة، فإن القصيدة تنسب للشاعر الأصيل لا للمنشد الذي يبلغها بصوته المحدث.
### المسألة التاسعة: المعية والعلو الإلهي وقاعدة "القدر المشترك"
**السؤال**: كيف وفق ابن تيمية بين إثبات صفة العلو الذاتي لله وبين نصوص المعية، وكيف وظف مفهوم "القدر المشترك" في تبيان الحقائق الغيبية؟
**الجواب**: يرى متأخرو الأشاعرة تعارضاً عقلياً بين إثبات علو الله الذاتي على عرشه وبين قوله تعالى: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ» [الحديد: 4]، مما دفعهم لتأويل العلو بعلو القدر والقهر. ورد ابن تيمية مبيناً أن "المعية" في لغة العرب لا تقتضي المخالطة والحلول المادي في المكان؛ إذ يقال لغة: "سرنا والقمر معنا"، مع كون القمر في السماء. وقد أجمع السلف على أن الله فوق عرشه بائن من خلقه، وهو مع عباده بعلمه وسماعه وبصره وقدرته وإحاطته، دون أي تعارض.
ولتقريب إثبات الصفات الغيبية دون تمثيل، وضع ابن تيمية قاعدة "القدر المشترك". وهو الوجود الذهني الكلي لأصل المعنى المشترك بين الخالق والمخلوق (مثل وجود الذات، والعلم، والحياة)، دون أن يستلزم ذلك مماثلة في الخارج العيني. وضرب مثالاً بنعيم الجنة؛ فالماء والعسل والخمر والرمان تشترك مع مثيلاتها في الدنيا في الاسم والقدر المشترك الذهني، لكن حقيقتها في الجنة متباينة بالكلية عما في الدنيا، فإذا كان هذا التباين بين مخلوق ومخلوق، فكيف بالتباين العظيم بين صفات الخالق والمخلوق؟.
### المسألة العاشرة: محنة القاهرة عام 705 هـ وبواعث الخلاف مع الاتحادية والمنبجي
**السؤال**: ما هي الأسباب والملابسات السياسية والعقدية التي أدت بمحاكمة وسجن ابن تيمية في مصر سنة 705 هـ، وما دور الصوفية والاتحادية في ذلك؟
**الجواب**: كانت لابن تيمية مواقف شديدة وإنكار غليظ على أصحاب مذهب وحدة الوجود والاتحادية (أتباع ابن عربي والتلعفري وغيرهم). وكان الشيخ نصر المنبجي، وهو شيخ الأمير بيبرس الجاشنكير (الذي كان مسيطراً على مقاليد الحكم والسياسة في مصر في تلك الحقبة وعُرف بظلمه وانحرافه)، يتبنى العقيدة الاتحادية ويدافع عن مقالات ابن عربي. ونظراً لانتقاد ابن تيمية العلني لبيبرس الجاشنكير وإنكاره على شيخه المنبجي، تضافرت قوى الصوفية والفقهاء الحاسدين لنفوذ ابن تيمية العلمي والشعبي الشامي، وسعوا لصدور مرسوم سلطاني باستدعائه إلى القاهرة.
ورغم محاولة نائب السلطنة بدمشق آقوش الأفرم إقناعه بعدم السير مخافة الغدر به، أصر ابن تيمية على المسير. ولدى وصوله القاهرة، تفاجأ بأن الأمر لم يكن مجرد مناظرة علمية، بل كان فخاً قضائياً حيث حُوكم كمتهم أمام قاضي القضاة المالكي زين الدين بن مخلوف الشديد الخصومة له.
### المسألة الحادية عشرة: وقائع المحاكمة التاريخية والاتهامات الأربع أمام ابن مخلوف
**السؤال**: كيف جرت أحداث محاكمة ابن تيمية أمام القاضي زين الدين بن مخلوف سنة 705 هـ، وما هي الاتهامات التي وجهت إليه وصدر بموجبها حكم الحبس؟
**الجواب**: انتصب للادعاء على ابن تيمية الفقيه الأشعري الشافعي ابن عدلان بالقاهرة. ووجهت إلى الشيخ أربع تهم عقدية رئيسية تمثل أصول الخلاف بين السلف والأشاعرة :
1. قوله بأن الله تعالى مستوٍ على عرشه فوق السماء حقيقة.
2. قوله بأن الله يتكلم بالقرآن بحرف وصوت حقيقيين.
3. قوله بجواز الإشارة الحسية إلى الله في السماء بالتوجه والدعاء.
4. قوله بإثبات الجهة والمكان للذات الإلهية.
وعندما طلب القاضي ابن مخلوف من ابن تيمية ردوده، استهل الشيخ خطابه بحمد الله والثناء عليه لبيان معتقده بالأدلة. فمنعه القاضي وأسكته بعنف قائلاً: "أجب فقط ولا تتكلم، ما جئنا بك لتخطب". فبادر ابن تيمية بسؤال القاضي: "من الحاكم فيّ؟" فقيل له: القاضي المالكي. فقال ابن تيمية بجرأة وشجاعة: «كيف يحكم فيّ وهو خصمي؟!».
وأدت هذه الحجة القضائية إلى إرباك القاضي، الذي امتنع مؤقتاً عن الحكم، لكن أعوانه سارعوا بإخراج الشيخ وتغييبه في سجن التخشيبة الملحق بدار القضاء من 24 رمضان حتى ليلة عيد الفطر، ومن ثم ترحيله مع أخويه شرف الدين وعبد الله إلى السجن العمومي المعروف بـ "الجب". وصدر مرسوم سلطاني نُودي به في شوارع دمشق والقاهرة بإبطال عقيدة ابن تيمية والبراءة منها وإحلال دم ومال من يعتقد بقوله وتخريب حانوته.
### المسألة الثانية عشرة: تفنيد دعوى المناظرة التاريخية بين ابن تيمية وابن عطاء الله السكندري
**السؤال**: ما مدى صحة المناظرة المتداولة بكثرة في الأوساط الصوفية بين ابن تيمية وابن عطاء الله السكندري في مصر سنة 707 هـ حول الاستغاثة وبطلان التوسل؟
**الجواب**: يجمع المحققون والمؤرخون الأكاديميون على أن هذه المناظرة المطولة المزعومة بين ابن تيمية وابن عطاء الله السكندري هي كذب صريح واختلاق لا أصل له في السجلات والكتب التاريخية المعتبرة. ويظهر تهافت الرواية من خلال نسبتها لبعض المصادر التاريخية كابن الأثير، في حين أن ابن الأثير قد توفي قبل ولادة ابن تيمية بأكثر من ثلاثين سنة.
أما المؤرخ ابن كثير في "البداية والنهاية"، فلم يذكر شيئاً من هذه المناظرة الحوارية المزعومة. وكل ما ثبت تاريخياً في أحداث شوال 707 هـ هو أن طائفة من الصوفية شكوا ابن تيمية إلى الدولة بسبب كلامه في ابن عربي ووحدة الوجود. فعُقد له مجلس برئاسة القاضي الشافعي، وادعى عليه ابن عطاء الله السكندري بأمور شفهية طعناً في دينه فلم يثبت على الشيخ منها شيء. وخيرت الدولة الشيخ بعدها بين السفر لدمشق أو الإسكندرية بشروط تمنعه من الفتيا، أو السجن، فاختار الشيخ السجن طواعية حمايةً لعلمه وفتاواه.
### المسألة الثالثة عشرة: منهج السلف في إعذار المخالفين بالجهل والتأويل وحكم الوعيد
**السؤال**: كيف وازن ابن تيمية بين تشديده على المقالات البدعية وبين رحمته وإعذاره للرجال الأشاعرة وسائر المخالفين؟
**الجواب**: تميز منهج ابن تيمية بالتفرقة الصارمة بين إطلاق حكم "المقالة الكفرية أو البدعية" وبين إنزال حكم "التكفير أو التفسيق على الشخص المعين". فكان يرى أن العبد المخالف قد يتكلم بمقالة جهمية أو بدعية ظاناً أنها الحق، ويكون له من الحسنات الماحية والصلوات والجهاد والإخلاص والتقوى ما يغمر زلته الفكرية.
وبين أن نصوص الوعيد والذم ترتفع عن المعين لانتفاء الشروط ووجود الموانع الشرعية ، ومنها:
* توبة صادقة من المقالة.
* جهل بالحق لعدم قيام الحجة الرسولية عليه في بيئته.
* حسنات عظيمة ماحية للسيئات.
* مصائب وبلايا مكفرة للذنوب في الدنيا.
* شفاعة مقبولة يوم القيامة.
وهذا المسلك الإعذاري والتفسيري الإنساني يبرر بقوة سبب عدم تكفير ابن تيمية للأشاعرة وثنائه على جهودهم وعلمهم، راداً على غلاة الطوائف الذين تسرعوا في تكفير المخالفين.
### المسألة الرابعة عشرة: قانون التأويل الكلي للفخر الرازي وأوجه نقضه في "درء التعارض"
**السؤال**: ما هو "قانون التأويل الكلي" الذي صاغه الفخر الرازي كمرجعية إبستيمولوجية للأشاعرة، وكيف نقضه ابن تيمية في "درء تعارض العقل والنقل"؟
**الجواب**: لخص الفخر الرازي قانون التأويل في كتابه "تأسيس التقديس" في تقديم الدليل العقلي على الدليل السمعي (النقلي) عند التعارض. وافترض الرازي أن العقل هو أصل السمع لأن السمع يثبت بصحة دلالة العقل على الصانع والرسول، فلو قدمنا السمع لزم تكذيب العقل الذي هو أصله، وتكذيب الأصل يستلزم تكذيب الفرع، مما يؤدي إلى بطلان العقل والسمع معاً. وبناءً على هذا، ذهب الرازي إلى أن السمعيات لا تفيد اليقين بل الظن، ويجب تأويل ظواهرها.
وقد أفرد ابن تيمية كتابين ضخمين هما "نقض تأسيس الجهمية" و"درء تعارض العقل والنقل" لإبطال هذا القانون من بضعة وأربعين وجهاً. وكان رده قائماً على تفكيك ركائزه:
* أولاً: بطلان فرضية التعارض؛ فالنقل الصحيح الصريح لا يمكن أن يتعارض مع العقل الصريح الصحيح أبداً، وإذا بدا تعارض فهو إما لعدم صحة النقل أو لكون العقل المدعى مجرد شبهات وأقيسة فهرسة وفاسدة.
* ثانياً: بطلان جعل العقل أصلاً للسمع؛ فليس كل عقل هو أصل للسمع، بل المعارف العقلية التي يتوقف عليها صدق السمع هي مسائل يسيرة معلومة بالضرورة الفطرية، بينما تفاصيل الصفات والغيب لا تُدرك عقلاً بل يدرك صدقها من خلال دلالة العقل الكلية على صدق الرسول، فتقديم العقول الشخصية المضطربة على نصوص الوحي هو هدم لدلالة العقل الأصلية التي أمرت بتصديق الرسول.
### المسألة الخامسة عشرة: تباين مواقف أئمة الأشاعرة تاريخياً تجاه مسألة التأويل
**السؤال**: كيف كشف ابن تيمية تاريخياً عن انقسام وتباين مواقف أئمة المذهب الأشعري تجاه مسلك "التأويل" وتفويض الصفات؟
**الجواب**: برهن ابن تيمية على أن الأشاعرة ليسوا على رأي واحد في مسلك التأويل، بل ينقسم أئمتهم تاريخياً إلى ثلاثة أصناف متباينة :
1. **الصنف الأول (المثبتة والنافون للتأويل)**: وهم الذين يحرمون تأويل الصفات السمعية والخبرية المذكورة في القرآن (كالوجه واليدين والاستواء)، ويبطلون مسلك التأويل فيها. وهذا مذهب أبي الحسن الأشعري في كتابه "الإبانة"، وحكاه عن أهل السنة قاطبة، وتبعه عليه كبار تلامذته كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبو علي بن شاذان، وأبو بكر بن فورك في كثير من مصنفاته.
2. **الصنف الثاني (المفوضة)**: وهم الذين يحرمون التأويل ولا يتكلمون في صحته ولا فساده، بل يفوضون حقيقة المعنى والكيفية لله. وهذا هو الموقف الذي استقر عليه أبو المعالي الجويني في رسالته "النظامية" وهو مذهب عامة المفوضة من المتكلمين.
3. **الصنف الثالث (المؤولة)**: وهم الذين يبيحون التأويل للعلماء عند الحاجة أو يبيحونه مطلقاً. وهو المذهب الذي نصره الجويني في كتاب "الإرشاد"، والغزالي، والفخر الرازي.
وقد وظف ابن تيمية هذا الاضطراب المنهجي الداخلي ليبين أن تماسك مذهب السلف وثباته هو الحجة البالغة في مواجهة مناهج الكلام المتغيرة.
### المسألة السادسة عشرة: عقيدة الأشاعرة في "الإيمان" ومأخذ الإرجاء الجهمي
**السؤال**: ما هو منشأ الخلاف العقدي بين ابن تيمية والأشاعرة في مسمى "الإيمان"، وما هي المآخذ التي سجلها الشيخ على عقيدتهم؟
**الجواب**: يذهب جمهور أئمة متأخري الأشاعرة (كالباقلاني والجويني وغيرهم) تماشياً مع القول الثاني لأبي الحسن الأشعري في كتابه "الموجز" إلى أن الإيمان هو مجرد "تصديق القلب والمعرفة"، وهو قول يوافق في حقيقته مذهب جهم بن صفوان في الإرجاء. ويرون تبعاً لذلك أن أعمال الجوارح ليست ركناً داخلًا في حقيقة ماهية الإيمان، بل هي ثمرات خارجية وشروط كمال.
وعاب ابن تيمية هذا المنهج بقوة مرجعاً سبب النزاع إلى التزام المتكلمين بأصلين باطلين :
* الأول: اعتقادهم أن الإيمان كل لا يتجزأ، فإذا زال جزء منه (كالعمل) زال الكل، فلزمهم لإبقاء أصل الإيمان إخراج العمل من مسماه.
* الثاني: قولهم إنه لا يجتمع في قلب العبد إيمان وكفر، وطاعة ومعصية، وإسلام ونفاق في آن واحد.
ونقض ابن تيمية هذا المنهج بالأدلة القرآنية والحديثية التي تثبت أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وأنه ذو شعب وأجزاء قد يزول بعضها ويبقى أصلها تلازماً بين الباطن والظاهر.
### المسألة السابعة عشرة: التقييم التاريخي المنصف للأشاعرة في تراث ابن تيمية
**السؤال**: كيف قيّم شيخ الإسلام ابن تيمية الدور التاريخي للأشاعرة في مقارعة الفرق البدعية والملاحدة؟
**الجواب**: حظي الأشاعرة بتقييم منصف وعادل في ثنايا مصنفات ابن تيمية وفتاواه، بعيداً عن الغلو والإقصاء. فقد نص الشيخ على الأمور التالية :
* أولاً: أن الأشاعرة هم أقرب طوائف المتكلمين إلى مذهب أهل السنة والحديث والأثر، ولا يتبنون السيف أو الخروج على الأئمة موافقة لأهل الحديث.
* ثانياً: أنهم يعدون من أهل السنة والجماعة إضافياً بالنظر إلى الطوائف الغالية كالمعتزلة، والرافضة، والجهمية المحضة، والاتحادية، والباطنية.
* ثالثاً: الثناء على جهودهم الكبيرة ومساعيهم المشكورة في ردودهم على ملاحدة الفلاسفة والباطنية والقرامطة، مؤكداً أن في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السنة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف الأخرى.
### المسألة الثامنة عشرة: مصير مناصري عقيدة ابن تيمية الأثرية في عصره
**السؤال**: ما هي التضحيات والمحن الاجتماعية والقضائية التي تعرض لها مناصرو عقيدة ابن تيمية الأثرية من علماء ذلك العصر؟
**الجواب**: لم تقتصر المحنة والتضييق على شيخ الإسلام ابن تيمية وحده، بل طالت العديد من تلاميذه ومناصري عقيدته الأثرية في الشام ومصر. فقد تعرض الداعون لمنهج السلف (مثل الشارحين والمنتصرين للعقيدة الطحاوية والواسطية) لحملات اضطهاد شديدة وتشهير اجتماعي وقضائي من قضاة المذاهب المتعصبين بدعم من السلطة المملوكية.
ووصلت هذه المحن ببعض العلماء إلى سجنهم، وجلدهم، والطواف بهم منكسين على الدواب لإذلالهم. بل وبلغ التنكيل ببعضهم لدرجة الضغط القضائي لإجبارهم على طلاق زوجاتهم قسراً، وتزويج تلك الزوجات من خصومهم من باب الإمعان في كسر شوكتهم وتدمير مكانتهم الاجتماعية. وتظهر هذه الوقائع الشراسة البالغة التي اتسم بها الصراع الفكري والاجتماعي بين المدرسة السلفية والفقهاء الرسميين في ذلك العصر.
### المصادر والمراجع
ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. *درء تعارض العقل والنقل*. تحقيق محمد رشاد سالم. الطبعة الثانية. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1411هـ / 1991م.
ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. *العقيدة الواسطية ويليها المناظرة في العقيدة الواسطية*. تحقيق محب الدين الخطيب. الطبعة التاسعة. القاهرة: المطبعة السلفية ومكتبتها، 1399هـ.
ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. *مجموع الفتاوى*. جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416هـ / 1995م.
ابن عبد الهادي، محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي. *العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية*. تحقيق محمد حامد الفقي. القاهرة: المطبعة السلفية، 1356هـ.
ابن كثير، عماد الدين إسماعيل بن عمر. *البداية والنهاية*. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي. الجيزة: دار هجر للطباعة والنشر، 1418هـ / 1997م.
المحمود، عبد الرحمن بن صالح. *موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الأشاعرة*. الطبعة الأولى. الدمام: دار ابن الجوزي، 1443هـ / 2022م.
تعليقات
إرسال تعليق