# منهجية رواية المبتدع عند المحدثين والأصوليين: دراسة نقدية مقارنة ومسارات تطبيقية للأسانيد والمتون
## أولاً: المدخل المفاهيمي للبدعة وموقف الشريعة منها وشروح الأحاديث التأسيسية
### س1: ما هو مفهوم البدعة في اللغة وفي الاصطلاح الشرعي؟
* **الجواب**: البدعة في اللغة هي الإنشاء والإيجاد على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. أما في الاصطلاح الشرعي، فهي كل ما أُدخل في الدين مما يخالف الكتاب أو السنة أو ما أثر عن الصحابة الكرام مما لا مجال للرأي الشخصي فيه، وسواء كان القصد من تلك البدعة تأييد الشرع أو مخالفته، فإن غياب المستند الشرعي يحكم عليها بالرد والبطلان.
### س2: كيف يُشرح الحديث التأسيسي الأول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»؟ وما هي فائدته الأصولية؟
* **الجواب**: هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم يُعد قاعدة عظيمة من قواعد الدين.
* قوله صلى الله عليه وسلم «أحدث» يعود على الإنشاء والابتداع.
* وقوله «في أمرنا هذا» يُخرج الأمور الدنيوية المحضة؛ إذ المقصود بالأمر هنا الشريعة والدين المعصوم.
* وقوله «ما ليس منه» يضبط الرد بما لا يستند إلى أصل من أصول الشريعة وقواعدها العامة.
* أما قوله «فهو رد» فهو صيغة مبالغة تعني أنه مردود باطل غير مقبول عند الله تعالى، ويعود بالإثم والوزر على فاعله.
* **الفائدة الأصولية للحديث**: يدل بمنطوقه على بطلان كل عبادة أو عقيدة محدثة لا مستند لها، كما يدل بمفهومه على أن كل ما أقيم عليه الدليل الشرعي العام -وإن لم تقع عينه في زمن التنزيل لغياب المقتضي أو وجود المانع- فليس ببدعة مذمومة.
### س3: ما هي دلالة الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وتطبيقه العملي لحديث رد البدعة؟
* **الجواب**: طبق الصحابة هذا الحديث عمليًا؛ ومن ذلك ما أُثر عن عبد الله بن مسعود حين أنكر على أصحاب الحلق في المسجد الذين كانوا يعدون التكبير والتهليل بالحصى. واصفًا صنيعهم بأنه إما ملة أهدى من ملة محمد أو مفتاح باب ضلالة، ولم يشفع لهم قولهم: "ما أردنا إلا الخير"، إذ أجابهم بقاعدته الشهيرة: "وكم من مريد للخير لن يصيبه".
### س4: كيف يُشرح حديث «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم»؟ وما صلته الأصولية بباب البدعة؟
* **الجواب**: يوضح هذا الحديث الثابت في صحيح مسلم فوارق جوهرية بين المنهيات والمأمورات.
* فقد علق الشارع الحكيم المأمورات بالاستطاعة والقدرة البشرية فقال «افعلوا منه ما استطعتم»، وذلك لأن الفعل يتطلب كلفة ونشاطاً قد يعجز عنه العبد في أحوال معينة.
* بينما جاء النهي مطلقاً ومجرداً عن قيد الاستطاعة فقال «فاجتنبوه»، لأن الكف والترك هو الأصل وهو داخل تحت مقدور كل مكلّف في جميع الأحوال.
* **الصلة الأصولية بالبدعة**: تتجلى في أن الابتداع يمثل تجاوزاً لشرط الترك والكف المطلق، وإقحاماً لأفعال ومقالات في الشريعة دون إذن من الشارع، وهو ما يدخل في باب ارتكاب المنهي عنه الذي يجب كفه مطلقاً دون تذرع بتأويل أو مصلحة متوهمة.
## ثانياً: الاختلاف الأصولي والحديثي في قبول خبر أهل الأهواء والبدع
### س5: كيف صنف العلماء البدعة من حيث قبول الرواية وردها؟ وما حكم البدعة المكفرة؟
* **الجواب**: ينطلق النقاش الأصولي في هذا الباب من التمييز الحاسم بين البدعة المكفرة والبدعة المفسقة :
* **البدعة المكفرة**: وهي البدع الغليظة الشنيعة التي يترتب عليها خروج صاحبها من ربقة الإسلام، كقول غلاة الجهمية بنفي الصفات مطلقاً أو قول غلاة الرافضة بنقص القرآن وتكفير أعيان الصحابة. وقد استقر إجماع السلف على عدم قبول رواية هذا الصنف مطلقاً؛ إذ الكافر لا تُقبل شهادته ولا خبره على المسلمين.
* **البدعة المفسقة**: وهي البدع التي لا تخرج صاحبها من الدين كالإرجاء، والقدر الخفيف، والتشيع اليسير. وهنا وقع الخلاف المنهجي الواسع بين نقاد الأثر والأصوليين.
### س6: كيف ينقسم الخلاف في قبول مرويات المبتدع بالبدعة المفسقة؟
* **الجواب**: وقع الخلاف في هذه المسألة على ستة مذاهب كبرى عند المحدثين والأصوليين، تتراوح بين الرد المطلق والقبول المطلق والتفصيل وفق ضوابط محددة.
### س7: ما هو مذهب الرد المطلق لرواية المبتدع، وما مأخذه الأصولي؟
* **الجواب**: يرى أصحاب هذا المذهب وجوب رد رواية المبتدع مطلقاً دون تفصيل. وينطلق هذا الاتجاه من مأخذين:
1. مأخذ عقدي يرى أن اتباع الهوى والبدعة يزيل الأمانة الدينية ويسقط العدالة.
2. مأخذ عقابي زجري يهدف إلى إهانتهم وهجرهم وترك الرواية عنهم لئلا ينتشر باطلهم. ويستشهدون بأثر ابن سيرين الشهير: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم».
### س8: ما تفصيل مذهب القبول المطلق لرواية المبتدع؟ وما مستند الشافعية فيه؟
* **الجواب**: يقبل هذا المذهب رواية أهل الأهواء والبدع وشهادتهم ما لم يستحلوا الكذب في نصرة معتقدهم. وهو مذهب الإمام الشافعي الذي صرح بقبول شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ والعلة الأصولية في استثنائهم أنهم يستحلون شهادة الزور لموافقيهم في المذهب.
### س9: كيف ينضبط مذهب التفصيل بين الداعية وغير الداعية إلى البدعة؟
* **الجواب**: هذا المذهب هو الأعدل والأشهر عند جمهور المحدثين. وتُرد بموجبه رواية الداعية إلى بدعته؛ لأن حرصه على نشر عقيدته يجعله مظنة الكذب والتحريف لتشييد مذهبه وتزيينه للعامة. أما غير الداعية، فتُقبل روايته إذا كان موصوفاً بالصدق والديانة والضبط. وحكى الخطيب البغدادي هذا المذهب عن عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل.
### س10: ما هو المذهب القائم على اشتراط عدم تأييد المروي للبدعة؟
* **الجواب**: ذهب الجوزجاني (شيخ النسائي) وتابعه الحافظ ابن حجر العسقلاني إلى قبول رواية المبتدع غير الداعية بشرط ألا يكون الحديث الذي يرويه يعضد بدعته ويشيدها. ووجه ذلك خشية غلبة الهوى على الراوي في التحسين والترغيب لما يوافق معتقده.
### س11: كيف تطورت دلالة مصطلحي التشيع والرفض بين زمان السلف وزمان الخلف؟ وما أثر ذلك على قبول الرواية؟
* **الجواب**: أحدثت العصور التاريخية تبدلاً عميقاً في المصطلحات العقدية.
* قرر الإمام الذهبي أن التشيع في عرف السلف كان يُطلق على من فضّل علياً على عثمان، أو تكلم فيمن حارب علياً رضي الله عنه مع موالاة الشيخين وتوقيرهما.
* أما الرفض في عرف الخلف، فهو تكفير الصحابة الأعيان والحط من الشيخين والقول بتحريف القرآن.
* ولهذا استعمل السلف مصطلح "شيعي" للدلالة على الصنف الأول المقبول الرواية لصدقهم، ومصطلح "رافضي" للدلالة على الصنف الثاني المردود الكذاب.
* ومن شواهد ذلك تبرئة الحاكم صاحب المستدرك من الرفض؛ إذ قال إسماعيل الهروي: «الله يحب الإنصاف، ما الرجل برافضي، بل شيعي فقط»، مما يثبت التفرقة الحاسمة بين المصطلحين.
### س12: ما هو المذهب العملي الذي سار عليه صاحبا الصحيح (البخاري ومسلم)؟
* **الجواب**: المذهب المختار والعملي لجهابذة المحدثين كالبخاري ومسلم هو أن المدار في قبول الرواية يدور مع الصدق والضبط المطلقين. فمتى ثبت ضبط الراوي وصدقه وأمانته وورعه في الرواية قُبل حديثه، وبدعته بينه وبين ربه؛ لأن ديانته تمنعه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
## ثالثاً: مقارنة منهجية لمذاهب الجرح والتعديل في قبول رواية المبتدع
### س13: كيف يمكن تلخيص الفروق المنهجية والأثر التطبيقي لكل مذهب من مذاهب الجرح والتعديل دون استخدام الجداول؟
* **الجواب**: يمكن تلخيص الفروق على النحو التالي:
* **مذهب الرد المطلق**: علته الأصولية سد ذرائع الهوى، وزجر المبتدع عقاباً له على جنايته. وأبرز أعلامه طائفة من السلف كابن سيرين. أما أثره التطبيقي فتمثل في استبعاد أسانيد كثيرة وتضييق مادة الآثار المروية.
* **مذهب القبول المطلق**: علته الأصولية قيام مقتضى الصدق العام وزجر التدين عن تعمد الكذب. وأبرز أعلامه الإمام الشافعي، وأبو الحسين البصري. وأثره التطبيقي هو التوسع في الرواية شريطة انتفاء استحلال الكذب.
* **مذهب التفصيل (الداعية)**: علته الأصولية التهمة بالوضع لنشر المذهب وتزيينه للعامة. وأبرز أعلامه الإمام أحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن مهدي. وأثره التطبيقي استبعاد رؤوس المذاهب وقبول الخاملين منهم.
* **مذهب اشتراط عدم التأييد**: علته الأصولية سد ذريعة غلبة الهوى والتوهم عند رواية ما يخدم المعتقد. وأبرز أعلامه أبو إسحاق الجوزجاني، وابن حجر العسقلاني. وأثره التطبيقي رد الحديث الفردي الذي يعضد معتقد الراوي وقبول غيره.
* **مذهب المدار على الصدق والضبط**: علته الأصولية تحقق أركان الثقة (الديانة والصدق والضبط) بغض النظر عن الاعتقاد. وأبرز أعلامه البخاري، ومسلم، والصنعاني، والشوكاني، والألباني. وأثره التطبيقي تصفية المرويات بناءً على النقد العلمي الفردي والتحري دون مصادرات كلية.
## رابعاً: التقعيد الأصولي والعقدي عند شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن القيم
### س14: ما هي قاعدة التفريق بين النوع والعين في أحكام التكفير والتفسيق عند ابن تيمية؟
* **الجواب**: قرر ابن تيمية أن مذاهب الأئمة مبنية على التفصيل الدقيق بين النوع والعين. فلا يلزم من إطلاق الحكم بكفر مقالة معينة أو بدعة محددة (تكفير النوع) تكفير كل من قال بها أو تلبس بها من الأعيان (تكفير العين)؛ إذ قد ينتفي الكفر في حق الشخص المعين لمانع من الموانع كالجهل، أو عدم بلوغ الحجة الشرعية، أو التأويل السائغ. وبناءً على ذلك، نفى ابن تيمية تكفير الخوارج، والقدرية، والمرجئة، والشيعة المفضلة، وإنما أطلق الأئمة التكفير على الجهمية المحجوبين بالتعطيل المحض، ومع ذلك يُحمل قوله على التكفير العام لا تكفير الأعيان دون إقامة الحجة وتبيين المحجة.
### س15: ما هو حكم الصلاة خلف الأئمة والولاة المبتدعة عند ابن تيمية؟ وما هي الشواهد التاريخية التي استند إليها؟
* **الجواب**: أصّل ابن تيمية جواز الصلاة خلف الإمام المبتدع أو الفاسق مستور الحال باتفاق الأئمة الأربعة.
* إذا ظهرت بدعته أو فجوره، وأمكن الصلاة خلف غيره، فصلاة المأموم صحيحة عند عامة الفقهاء.
* في حال تعذر الصلاة إلا خلف المبتدع (كالجمعة والعيدين التي لا يقيمها إلا والٍ مبتدع)، فإنها تُصلى خلفه بلا خلاف عند أئمة أهل السنة.
* **الشواهد التاريخية**: استدل ابن تيمية بأن الصحابة كانوا يصلون خلف من يعرفون فجوره؛ كما صلى ابن مسعود وغيره خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان يشرب الخمر.
* ونقل ممارسة العالم السني عثمان بن مرزوق في ديار مصر إبان العهد الفاطمي الباطني؛ إذ أمر أصحابه بألا يصلوا إلا خلف من يعرفون حاله لتفشي البدع المغلظة، فلما فتحها ملوك السنة كصلاح الدين الأيوبي وظهرت كلمة السنة، عاد الحكم لجواز الصلاة خلف مستور الحال.
### س16: كيف أصّل ابن تيمية قاعدة دفع دليل المبطل بنفس ما استدل به؟
* **الجواب**: من أدق تقعيدات ابن تيمية الأصولية في الرد على المبتدعة قاعدته الشهيرة: «ما استدل أحد بدليل صحيح من كتاب أو سنة إلا وكان فيه حجة عليه، إن كان استدلاله باطلاً». وهذا يمثل ذروة النقد المعرفي؛ حيث يتم تفكيك حجج المبتدعة وسوق أسرار متون الأحاديث والآيات لإثبات نقيض دعواهم من ذات النص الذي تذرعوا به.
### س17: كيف وصف ابن تيمية تجربته الفكرية الذاتية والمنهجية في الانتقال إلى مذهب السلف؟
* **الجواب**: كشف ابن تيمية في *مجموع الفتاوى* عن أبعاد تجربته العلمية ومراجعته المنهجية المتمثلة في الانتقال مما يسميه "مذهب الآباء" إلى مذهب السلف المحقق. فذكر أنه وغيره كانوا في بداية طلبهم للعلم يقولون بقول المتأخرين من الحنابلة المتأثرين بالسالمية وابن كلاب في مسألتي "الصفات الاختيارية" (أفعال الله القائمة بذاته بمشيئته وقدرته) والزيارة البدعية للمقابر. فلما تدبر نصوص الرسول صلى الله عليه وسلم وبان له الحق، آثر اتباع الدليل السلفي الصريح على مذهب الآباء والتقليد الموروث.
### س18: ما هو موقف الحافظ ابن القيم من خبر الفاسق والمبتدع في "مداريج السالكين"؟
* **الجواب**: عضد الحافظ ابن القيم منهج شيخه، معلقاً في *مدارج السالكين* على آية التثبت من خبر الفاسق بقوله: إن الله سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه جملة، وإنما أمر بالتبين والتثبت. فإذا قامت القرائن والأدلة الخارجية على صدقه، عُمل بخبره. وأكد أن كثيراً من الفاسقين من جهة الاعتقاد والرأي يتحرون الصدق غاية التحري، فمثل هؤلاء لا تُرد روايتهم ولا شهادتهم لئلا تتعطل الحقوق وتبطل الأخبار الصحيحة.
## خامساً: المعالم النقدية عند الصنعاني والشوكاني والألباني
### س19: كيف ناقش الإمام الشوكاني مذهب رد رواية المبتدع إذا روى ما يقوي بدعته؟
* **الجواب**: ناقش الشوكاني المسألة في *إرشاد الفحول*، وصوب السهام نحو مذهب الجوزجاني، موضحاً تهافت العلة التي بني عليها هذا المذهب. فمروي المبتدع المقوي لبدعته إما أن يكون غير منكر (أي موافقاً لأصول الشريعة العامة)، فلا وجه لرده ولا لرواية صاحبه. وإما أن يكون منكراً، فحكم المنكر الرد لعلة نكارته وضعفه الذاتي وليس لكون راويه مبتدعاً. وبناءً عليه، يرى الشوكاني أن المدار يدور مع الأمانة والصدق؛ فإذا ثبتت عدالة الراوي وصدقه يقيناً، وجب قبول مروياته كافة.
### س20: ما هو مسلك الشوكاني الأصولي عند تعارض الجرح والتعديل؟
* **الجواب**: قرر الشوكاني في *إرشاد الفحول* عند تعارض الجرح والتعديل أن الجرح المفسر يُقدم على التعديل المجمل؛ لأن الجارح يمتلك زيادة علم خفيت على المعدل الذي قد يبني حكمه على ظاهر الحال.
### س21: كيف استدل الأمير الصنعاني بصنيع صاحبي الصحيح في قبول خبر المبتدع؟
* **الجواب**: أكد الصنعاني في *إرشاد النقاد* و*ثمرات النظر* أن الشيخين البخاري ومسلم خرجا لكبار المبتدعة الثقات. واستشهد بروايتهما عن أيوب بن عائذ المدلجي وكان يرى الإرجاء، ونقل كلمة البخاري المنهجية فيه: «وكان يرى الإرجاء إلا أنه صدوق»، مبيناً أن البخاري قصد نفي تهمة الكذب لثبوت الصدق والورع المانعين من وضع الحديث. كما نقل جواب الإمام مالك حين سُئل كيف رويت عمن كان يرى القدر؟ فقال: «كانوا لأن يخروا من السماء على الأرض أسهل من أن يكذبوا».
---
### س22: ما هو ضابط الاستقراء المنهجي ورأي المحدث الألباني في شروط قبول رواية المبتدع؟
* **الجواب**: سار الشيخ الألباني على ذات السبيل التجديدي، مبيناً أن البدعة تنقسم من حيث الرواية إلى مكفرة تسقط الخبر بالكلية لزوال شرط الإسلام، وغير مكفرة لا تضر بالرواية إن تحققت أركان الثقة. ونقد الألباني اشتراط عدم رواية المبتدع لما يؤيد مذهبه واصفاً إياه بأنه قول مرجوح. وعلل ذلك بأن ديانة الراوي الصدوق وورعه يمنعانه من تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لينصر به بدعته. وضبط الألباني شروط القبول المعاصرة في ثلاثة أركان أساسية:
1. الإسلام.
2. الصدق والديانة.
3. الضبط والحفظ التام.
## سادساً: تراجم الأسانيد والرجال: دراسة تطبيقية نقدية للمرويات
### س23: كيف يُوجه نقاد الأثر تخريج الإمام البخاري لحديث عمران بن حطان السدوسي الخارجي القعدي؟
* **الجواب**: كان عمران بن حطان السدوسي رأس طائفة القعدية من الصفرية (الخوارج)، وشاعرهم وخطيبهم المفوه. ولم يخرج له البخاري في صحيحه سوى حديث واحد منفرد من رواية يحيى بن أبي كثير عنه، عن عائشة رضي الله عنها في لبس الحرير.
* **التوجيه النقدي**: أخرج له البخاري في المتابعات والشواهد وليس في الأصول الاحتجاجية؛ فللحديث طرق عاضدة أخرى. واستند البخاري في إدخاله له إلى ديانة الخوارج المانعة لهم من استحلال الكذب لكونه كفراً مخرجاً من الملة عندهم.
### س24: ما هو الموقف النقدي لجهابذة الحديث من الراوية أبان بن تغلب الكوفي؟ وكيف فكك الذهبي إشكال توثيقه؟
* **الجواب**: أبان بن تغلب كوفي شيعي جلد، وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي، والنسائي. بينما قال الجوزجاني متشدداً: «زائغ مجاهر».
* **تفكيك الذهبي للإشكال**: صنف الذهبي بدعته بأنها بدعة صغرى (التشيع الخفيف بتقديم علي على عثمان دون سب الشيخين). وكتب الذهبي عبارته الشهيرة: «لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته... فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة».
### س25: ما وجه تخريج الشيخين للراوي أيوب بن عائذ الكوفي المرجئ؟
* **الجواب**: أيوب بن عائذ الكوفي صدوق رُمي ببدعة الإرجاء، ووثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وأبو داود. وأخرج له البخاري ومسلم في صحيحيهما. وتكمن العلة في تخريجه تبيان أن الإرجاء بدعة صغرى لا تقدح في صدق اللهجة والأمانة، مما يوجب قبول الرواية لانتفاء تهمة الكذب والوهم.
### س26: ما هي الطرق الرئيسة التي رُوي بها حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة؟
* **الجواب**: رُوي الحديث من عدة طرق عن جماعة من الصحابة، ومن أبرزها :
1. **حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه**: رواه الطيالسي، وأحمد، والدارمي، وأبو داود، وابن أبي عاصم، والآجري، وابن بطة من طريق أبي المغيرة، وبقية بن الوليد، وإسماعيل بن عياش، والحكم بن نافع، ويعد هذا الطريق من أقوى طرق الحديث وأصحها تماسكاً.
2. **حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه**: رواه الحميدي، وابن ماجه، وعبد الله بن أحمد.
3. **حديث أنس بن مالك رضي الله عنه**: رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم.
### س27: ما هي العلل الحديثية الكامنة في طريق أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه لحديث الافتراق؟
* **الجواب**: تعترض هذا الطريق عدة علل قادحة تمنع الاحتجاج به بشكل مستقل :
* **العلة الأولى**: تفرد أبي غالب (حَزْوَر) بالحديث، وهو متكلم فيه وقد ضعفه جماعة من الأئمة. وذكر ابن حبان أنه منكر الحديث لا يُقبل منه إلا ما تابعه عليه الثقات.
* **العلة الثانية**: وهم بعض الرواة كقريش بن حيان وسلم بن زرير (وهو ضعيف عند النسائي)؛ حيث جعلوا كلام أبي أمامة الموقوف عليه في الافتراق مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. في حين أن الثقات رووا عنه حديث الخوارج فقط دون ذكر الافتراق، مما يرجح نكارة هذه الزيادة في هذا الطريق.
### س28: ما هي العلل الأربع القادحة في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في الافتراق؟
* **الجواب**: رُوي حديث أنس من طريق هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس مرفوعاً، وتعترضه أربع علل قادحة سلبته الصحة الاحتجاجية :
1. **الأولى**: ضعف هشام بن عمار؛ إذ كبر فصار يتلقن، وصار يقبل ما ليس من حديثه.
2. **الثانية**: الوهم في السند؛ إذ ثبت أن الأوزاعي إنما يروي هذا الحديث عن يزيد الرقاشي (وهو متروك ضعيف جداً) وليس عن قتادة بن دعامة، فوقع الوهم والخلط من هشام بن عمار فجعله عن قتادة.
3. **الثالثة**: الانقطاع والإرسال؛ حيث رُوي الحديث من طريق سعيد بن أبي هلال عن أنس، وسعيد لم يسمع من أنس فروايتها عنه منقطعة إرسالاً خفياً أو تدليساً.
4. **الرابعة**: الجهالة والضعف الشديد في الطرق الأخرى؛ كطريق سليمان بن طريف (مجهول لا ترجمة له عند الألباني) ، وطريق يعقوب بن زيد التيمي عن زيد بن أسلم عن أنس من رواية أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن (وهو منكر الحديث اختلط في آخر عمره فبطل الاحتجاج به). كما أن زيد بن أسلم كثير الإرسال ويروي بالعنعنة عمن لم يسمع منهم.
## المصادر والمراجع (وفق نظام شيكاغو)
* الألباني، محمد ناصر الدين. *سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها*. الرياض: مكتبة المعارف، 1995.
* ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. *مجموع الفتاوى*. تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2004.
* ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. *منهاج السنة النبوية*. تحقيق محمد رشاد سالم. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1986.
* ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. *فتح الباري شرح صحيح البخاري*. تحقيق محب الدين الخطيب. القاهرة: المطبعة السلفية، 1970.
* ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. *نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر*. تحقيق أبو معاذ طارق بن عوض الله. الرياض: دار المغني، 2001.
* ابن رجب، عبد الرحمن بن أحمد. *جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم*. تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد. القاهرة: دار ابن الجوزي، 2010.
* ابن رجب، عبد الرحمن بن أحمد. *شرح علل الترمذي*. تحقيق همام عبد الرحيم سعيد. عمان: دار الفرقان، 1987.
* ابن القيم، محمد بن أبي بكر. *الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة*. تحقيق علي بن محمد الدخيل الله. الرياض: دار العاصمة، 1998.
* ابن القيم، محمد بن أبي بكر. *مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين*. تحقيق محمد حامد الفقي. بيروت: دار الكتاب العربي، 1973.
* الخطيب البغدادي، أحمد بن علي. *الكفاية في علم الرواية*. تحقيق أحمد عمر هاشم. بيروت: دار الكتاب العربي، 1985.
* الشوكاني، محمد بن علي. *إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول*. تحقيق أحمد عزو عناية. بيروت: دار الكتاب العربي، 1999.
* الصنعاني، محمد بن إسماعيل. *إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد*. تحقيق صلاح الدين مقبول أحمد. الكويت: الدار السلفية، 1984.
* الصنعاني، محمد بن إسماعيل. *توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار*. تحقيق صلاح بن محمد بن عويضة. بيروت: دار الكتب العلمية، 1997.
* الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد. *ميزان الاعتدال في نقد الرجال*. تحقيق علي محمد البجاوي. بيروت: دار المعرفة، 1963.
تعليقات
إرسال تعليق