# التكييف الأصولي والقانوني لمسألة الطلاق في الحيض: دراسة مقارنة بين المذاهب الفقهية والتشريعات المعاصرة
تُعد مسألة الطلاق في الحيض واحدة من أدق المسائل الفقهية التي تتداخل فيها الأدلة النقلية مع القواعد الأصولية، وهي تمثل نموذجاً تطبيقياً كبيراً لكيفية تعامل الفقهاء مع النهي الشرعي وأثره في العقود والفسوخ. فبينما اتفقت كلمة الفقهاء قاطبة على حرمة إيقاع الطلاق في حال الحيض، ظل الخلاف محتدماً حول "وقوع الطلاق" وترتيب أثره القانوني والشرعي. إن هذا التقرير يسعى إلى استقصاء الجوانب المختلفة لهذه المسألة، بدءاً من تحرير محل النزاع، مروراً بالأدلة التفصيلية للمذاهب، وصولاً إلى أثر هذا الخلاف في القوانين المعاصرة والفتوى الحديثة، مع تقديم تحليل عميق للعلل التشريعية والنتائج المترتبة على كل قول.
## ماهية الطلاق البدعي والتقسيمات الفقهية للطلاق
يصنف الفقهاء الطلاق من حيث مشروعيته وموافقته للسنة النبوية إلى قسمين رئيسيين: الطلاق السني والطلاق البدعي. الطلاق السني هو ما وافق أمر الله ورسوله، بأن يطلق الرجل زوجته طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، أو وهي حامل قد استبان حملها. أما الطلاق البدعي فهو ما خالف تلك الضوابط، وينقسم إلى أنواع من حيث التوصيف الشرعي والمعايير الزمنية والعددية:
* **الطلاق السني:** وهو الطلاق المباح والموافق للشريعة، ويتمثل في إيقاع طلقة واحدة في طهر لم يمسها فيه أو وهي حامل.
* **الطلاق البدعي الزمني:** وهو طلاق محرم ويأثم فاعله، ويشمل الطلاق في الحيض، أو النفاس، أو في طهر حصل فيه جماع.
* **الطلاق البدعي العددي:** وهو طلاق محرم عند الجمهور، ويتمثل في جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة أو في مجلس واحد.
إن العلة في وصف الطلاق في الحيض بأنه بدعي تكمن في الإضرار بالمرأة وتطويل العدة عليها؛ ذلك أن الحيضة التي يقع فيها الطلاق لا تُحسب من العدة باتفاق الفقهاء، مما يضطر المرأة للانتظار حتى تنتهي تلك الحيضة ثم تبدأ عدتها بالأقراء التالية.
## الإجماع على التحريم وتحرير محل النزاع
يُجمع فقهاء الإسلام من المذاهب الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) بالإضافة إلى الظاهرية، على أن الطلاق في حال حيض المرأة المدخول بها هو طلاق محرم شرعاً. وقد نقل هذا الإجماع كبار الأئمة مثل النووي وابن قدامة وابن تيمية.
إلا أن هذا الاتفاق على الحكم "التكليفي" (التحريم) لم ينسحب على الحكم "الوضعي" (وقوع الطلاق). وهنا يبرز محل النزاع الحقيقي الذي انقسم فيه أهل العلم إلى قولين مشهورين:
1. **القول الأول (جمهور الفقهاء):** يقع الطلاق ويُحتسب طلقة، رغم كونه محرماً ويأثم فاعله. وهو مذهب المذاهب الأربعة وعامة الصحابة والتابعين.
2. **القول الثاني (المحققون وطائفة من السلف):** لا يقع الطلاق في الحيض ولا يُعتد به، وهو قول طاوس بن كيسان، وخلاس بن عمرو، وابن علية، واختاره ابن تيمية وابن القيم، ورجحه الشوكاني والصنعاني ومن المعاصرين ابن باز وابن عثيمين.
## مذهب الجمهور: أدلة الوقوع والتكييف الفقهي
يرى جمهور الفقهاء أن النهي عن الطلاق في الحيض لا يمنع نفوذه، معتمدين على نصوص صريحة من السنة النبوية وتفسيرات محددة لعموم القرآن الكريم.
اعتمد الجمهور على عموم الآيات التي ذكرت أحكام الطلاق دون أن تخصص وقتاً دون وقت، مثل قوله تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ (البقرة: 229)، وقوله: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (البقرة: 230). وجه الدلالة هنا هو أن اللفظ "طلقها" جاء مطلقاً وشاملاً لكل طلاق يصدر من المكلف، سواء كان في حالة طهر أو حيض.
ويُعتبر حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما النص الفاصل في استدلال الجمهور. فعندما طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، غضب النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بمراجعتها. وقد استدلوا بلفظ "مُره فليراجعها" لأن الرجعة لا تكون إلا بعد طلاق صحيح؛ فلو لم يقع الطلاق لكانت في عصمته ولما سُمي الرد مراجعة. كما ورد في روايات الصحيح قوله "حُسبت عليَّ بتطليقة"، وهو صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم أو ابن عمر نفسه اعتبرها طلقة نافذة. وحين سُئل ابن عمر عن احتسابها قال: "أرأيت إن عجز واستحمق؟"، وهو رد على من شك في وقوعها، مبيناً أن حماقة الزوج وعصيانه لا يمنعان نفوذ الحكم عليه.
ويفرق الجمهور أصولياً بين "النهي لذات الشيء" و"النهي لأمر خارج مجاور"؛ فالطلاق في الحيض هو نهي لأمر خارج (تطويل العدة)، وليس خللاً في ركن الطلاق، ويشبه الصلاة في الأرض المغصوبة؛ فالفعل محرم لكن أثره يقع صحيحاً.
## مذهب المانعين: أدلة عدم الوقوع وفلسفة الفساد
في المقابل، قدمت مدرسة ابن تيمية وابن حزم الظاهري رؤية تقوم على أن الأصل في العبادات والعقود هو اتباع الأمر، وأن ما خالف الأمر فهو باطل.
استند هذا المذهب إلى الحديث النبوي "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، واعتبروا أن الطلاق في الحيض لم يأذن الله به، بل أمر بضده وهو الطلاق للعدة. كما يرى المانعون أن قوله تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (الطلاق: 1) يحدد ظرفاً زمانياً لصحة الفعل، وبما أن الحيض لا يُحسب من العدة، فإن طلاق الحائض ليس طلاقاً للعدة، وبالتالي هو خارج عن النطاق الذي رسمه الشارع للصحة.
وقام ابن تيمية وابن القيم بتحليل نقدي لروايات الاحتساب، واعتبروا أن رواية "لم يرها شيئاً" التي رواها أبو الزبير عن ابن عمر هي التي تتفق مع الأصول، وفسروا "المراجعة" بأنها رد لغوي بمنع الفراق المادي.
## تحليل الفروق الأصولية والعلل التشريعية
يكمن جذر الخلاف في تكييف النهي الشرعي؛ فالجمهور يرون أن النهي لأمر خارج لا يقتضي الفساد، وبالتالي الطلاق يقع (نافذ) والزوج آثم. بينما يرى ابن تيمية والظاهرية أن النهي يقتضي الفساد والبطلان مطلقاً، فالطلاق عندهم باطل (لغو) ولا يُحتسب. أما الحنفية فيعتبرونه طلاقاً بدعياً واقعاً مع وجوب المراجعة.
وبتحليل العلل التشريعية لهذا النهي، نجد الآتي:
* **تطويل العدة:** وهي ضرر مادي وزمني على المرأة، والنهي يهدف لسرعة انتقالها لحالة اجتماعية جديدة.
* **الزهد العارض:** قد يطلق الزوج بسبب منعه من الاستمتاع في فترة الحيض، والنهي يضمن التأكد من قوة عزيمة المطلق في حال الرغبة (الطهر).
* **الحالة النفسية:** فترة الحيض تشهد تقلبات مزاجية تزيد الخلافات، والنهي يعطي فرصة لهدوء النفوس وزوال العذر.
## طلاق الحائض في قانون الأحوال الشخصية الكويتي والفتوى المعاصرة
يستمد قانون الأحوال الشخصية الكويتي (رقم 51 لسنة 1984) أحكامه من الفقه الإسلامي. وبحسب المواد (102، 103) يشترط في المطلق العقل والبلوغ والقصد، وفي الزوجة أن تكون في زواج صحيح. وبناءً على ذلك، فإن القانون الكويتي يماشي مذهب الجمهور في إمضاء الطلاق الرسمي الموثق في حال الحيض.
ومع ذلك، فإن قطاع الإفتاء بوزارة الأوقاف الكويتية قد يلجأ في بعض الحالات (كالطلقة الثالثة الشفهية) إلى الاجتهادات التي لا ترى وقوع طلاق الحائض استناداً لقول ابن تيمية، حفاظاً على الكيان الأسري. أما الفقه الجعفري في الكويت، فيشترط الطهر لوقوع الطلاق، وبناء عليه فإن طلاق الحائض عنده باطل.
تفرق كثير من دور الإفتاء المعاصرة بين الطلاق الشفهي الذي قد يُفتى فيه بعدم الوقوع تضييقاً لدائرة الفراق، وبين الطلاق الرسمي الموثق أمام القضاء الذي يُعتبر واقعاً قطعاً للنزاع.
## المصادر والمراجع
ابن القيم، شمس الدين محمد بن أبي بكر. *زاد المعاد في هدي خير العباد*. تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1998.
ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. *فتح الباري شرح صحيح البخاري*. بيروت: دار المعرفة، 1379هـ.
ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد. *المحلى بالآثار*. تحقيق عبد الغفار سليمان البنداري. بيروت: دار الكتب العلمية، 2010.
ابن قدامة، موفق الدين عبد الله بن أحمد. *المغني*. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي وعبد الفتاح محمد الحلو. الرياض: دار عالم الكتب، 1997.
النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف. *المجموع شرح المهذب*. تحقيق محمد نجيب المطيعي. بيروت: دار الفكر.
دولة الكويت. *قانون الأحوال الشخصية رقم 51 لسنة 1984 والمذكرات الإيضاحية*. الكويت: وزارة العدل.
مجمع الفقه الإسلامي الدولي. "قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي الدولي". جدة.
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. "فتاوى قطاع الإفتاء في الطلاق البدعي". الكويت.
تعليقات
إرسال تعليق