# أحكام التسمية عند الوضوء: دراسة تأصيلية فقهية ونوازل الطهارة في العمارة الحديثة


تمثل الطهارة في الإسلام الركن الركين الذي لا تصح العبادة الكبرى، وهي الصلاة، إلا به، ومن هنا أولى الفقهاء والمحدثون تفاصيل الوضوء اهتماماً بالغاً، فبحثوا في واجباته وسننه ومندوباته ومكروهاته بدقة متناهية. ومن أكثر المسائل التي أثارت نقاشاً علمياً مستفيضاً بين الفقهاء والمحدثين مسألة التسمية عند الشروع في الوضوء، حيث يتداخل فيها الجانب الحديثي المتعلق بصحة الأسانيد مع الجانب الأصولي المتعلق بصحة الاستدلال، وصولاً إلى الجانب الواقعي المرتبط بتغير البنية العمرانية للمنازل المعاصرة ودمج أماكن الوضوء بأماكن قضاء الحاجة. إن تحليل هذه المسألة يستوجب استحضار المرويات النبوية وتفكيكها نقدياً، ثم استعراض المذاهب الفقهية المستنبطة منها، وتنزيل تلك الأحكام على النوازل الحديثة التي لم تكن معهودة في الصدر الأول [1، 2، 3].

## الإطار المفاهيمي واللغوي لمصطلحات الطهارة والتسمية

يستلزم الفهم الدقيق للمسألة البدء بتحديد الدلالات اللغوية والاصطلاحية للمفردات المركزية في البحث. الوضوء، بضم الواو، هو الفعل نفسه أي عملية التطهر، أما الوَضوء، بفتح الواو، فهو الماء الذي يُتوضأ به. وتنسحب هذه القاعدة اللغوية على مصطلحات أخرى مثل السُحور والسَحور، والطُهور والطَهور؛ حيث يمثل الضم "المصدر" أو "الفعل"، والفتح "الأداة" أو "المادة المستخدمة". أما "التسمية"، فهي في جوهرها استحضار لاسم الله تعالى عند البدء بعمل ذي بال، وهي تختلف عن "البسملة" في السياق الفقهي الدقيق؛ فالبسملة هي قول "بسم الله الرحمن الرحيم" كاملة، بينما التسمية المطلوبة في الوضوء هي مجرد قول "بسم الله".

تعد التسمية عبادة مشروعة ترتبط ببدء الوضوء كآية من آيات استحضار النية وتبريك العمل. وقد تباينت اصطلاحات الفقهاء في وصفها؛ فبينما يميل الحنابلة لاستخدام مصطلح "التسمية"، يذكرها آخرون بلفظ "البسملة"، إلا أن المشهور في كتب الفقهاء هو التعبير عنها بالتسمية عند الوضوء [3، 5]. ويتصل بهذا المصطلح مفاهيم مكانية حيوية مثل "الخلاء"، وهو في الأصل المكان الخالي الذي يقصده المرء لقضاء حاجته بعيداً عن أعين الناس، و"الحش" وهو المكان الذي كان يُتخذ لقضاء الحاجة قديماً وغالباً ما كانت تحتبس فيه النجاسة، و"المرحاض" و"الكنيف" و"بيت الخلاء" [6، 7، 8]. وفي العصر الحديث، ظهر مصطلح "دورة المياه" كبديل معاصر يشمل في الغالب مكان قضاء الحاجة ومكان الوضوء والاستحمام في حيز واحد، وهو ما يطرح إشكالات فقهية تتعلق بذكر الله في هذه المواضع المختلطة.

## التحقيق الحديثي في أدلة مشروعية التسمية

ترتكز مسألة التسمية في الوضوء على قاعدة حديثية شائكة، محورها الحديث المروي بصيغ متعددة: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" [1، 11، 12]. إن دراسة هذا الحديث تتطلب غوصاً في أسانيده وعلله، إذ يعد نموذجاً لكيفية تعامل النقاد مع الأحاديث الضعيفة التي يشد بعضها بعضاً.

اتفق كبار المحدثين الأوائل، كالإمام أحمد والبخاري والنسائي وابن أبي شيبة، على أن الأحاديث الواردة في التسمية في الوضوء لا تخلو من ضعف شديد في أسانيدها [13، 14، 15]. ومن أبرز الطرق الحديثية: طريق أبي هريرة، الذي يُعد من أشهر الطرق، لكنه يمر عبر يعقوب بن سلمة الليثي عن أبيه عن أبي هريرة، وقد وصف المحدثون هذا الإسناد بالضعف والجهالة؛ فيعقوب مجهول عند ابن حجر، ولم يثبت له سماع من أبيه، كما لم يثبت لأبيه سماع من أبي هريرة، مما يجعل الإسناد منقطعاً في مواضع عدة. أما طريق أبي سعيد الخدري، فيحتوي إسناده على كثير بن زيد الأسلمي، وهو راوٍ صدوق لكنه يخطئ كثيراً، بالإضافة إلى ربيح بن عبد الرحمن وهو مجهول الحال.

بالرغم من هذا الضعف التفصيلي، سلك فريق من العلماء المتأخرين مسلك "تحسين الحديث بمجموع طرقه"، ويرى هذا الفريق أن تعدد مخارج الحديث عن صحابة مختلفين يدل على أن للحديث أصلاً ثابتاً في الجملة [5، 9، 13، 18]. وفي مقابل ذلك، يرى فريق آخر أن هذه الطرق كلها ضعيفة جداً ولا تصلح للاعتضاد، وأن أحاديث وصف الوضوء الصحيحة لم تتضمن ذكر التسمية إطلاقاً [13، 14، 19].

## المواقف الفقهية للمذاهب الأربعة وتكييفها الأصولي

أدى التباين في تقييم الأدلة الحديثية السابقة إلى انقسام الفقهاء في حكم التسمية إلى اتجاهين رئيسيين:

ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية، وهو رواية عند الحنابلة، إلى أن التسمية في أول الوضوء سنة أو مستحبة وليست واجبة [1، 4، 13، 21]. وتتلخص حججهم في عدم ذكر التسمية في آية الوضوء في سورة المائدة، بالإضافة إلى حديث "المسيء صلاته" الذي لم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم التسمية عند تعليم الوضوء [4، 13]. ويرى هؤلاء أنه حتى لو فرضنا صحة حديث التسمية، فإن النفي يحمل على نفي "الكمال" وليس نفي "الصحة" [12، 13، 15، 22].

وفي المقابل، فإن المشهور في مذهب الإمام أحمد بن حنبل والظاهرية هو وجوب التسمية في الوضوء [1، 5، 9، 13]. إلا أن الحنابلة يوجبونها مع الذكر ويسقطونها مع النسيان [12، 18، 21]، مستدلين بظاهر النص النبوي الذي ينفي الصحة عمن لم يذكر اسم الله، ومعتبرين التسمية شعيرة تميز طهارة المسلم [1، 12، 15].

## صيغ التسمية والبدائل عند الفقهاء

عند الشروع في الوضوء، تباينت إجابات الفقهاء حول اللفظ الذي يحقق الامتثال الشرعي. يشدد الحنابلة على أن الصيغة هي "بسم الله" حصراً، ويرون أن قول غيرها من الأسماء الحسنى لا يجزئ عن الواجب. أما الشافعية والمالكية فيرون أن الأكمل هو قول "بسم الله الرحمن الرحيم"، ولكن يجزئ الاقتصار على "بسم الله" [5، 9]. ويتوسع الحنفية في ذلك، فيرون أن أي ذكر لله تعالى، كالتسبيح أو التهليل، يقوم مقام التسمية وإن كانت البسملة هي السنة المأثورة. وفي حال تذكر المتوضئ التسمية في أثناء وضوئه، فإنه يسمي ويستمر في وضوئه ولا يلزمه الإعادة عند الجمهور [4، 22، 24].

## فقه النوازل: التسمية والذكر في الحمامات المعاصرة

تعتبر قضية التسمية داخل "الحمامات المعاصرة" من أبرز المسائل التي تلامس حياة المسلم اليومية. يفرق الفقهاء المعاصرون بين "الخلاء القديم" الذي كانت تحتبس فيه النجاسة وتعتبر موطناً للشياطين، وبين "الحمام المعاصر" الذي يتميز بوجود تصريف مائي فوري يجعل المكان طاهراً حكماً [2، 25، 27، 28].

وبناءً على هذا التصوير، اختلفت الفتاوى في كيفية التسمية داخل هذه الحمامات:

 1. **التسمية بالقلب**: يرى الشيخ ابن عثيمين وجماعة من العلماء أن المتوضئ يُجري التسمية على قلبه دون التلفظ بها بلسانه تعظيماً لاسم الله وتنزيهاً له [30، 31، 32، 33].

 2. **التسمية باللسان (سراً)**: اختار الشيخ ابن باز واللجنة الدائمة القول بمشروعية التسمية باللسان بصوت منخفض، لأن الكراهة تزول عند الحاجة للامتثال للأمر بالوضوء [31، 35، 36، 37].

 3. **الفصل بالحواجز**: في البيوت التي تفصل فيها ستارة أو جدار يسير بين المغسلة والمرحاض، يتفق العلماء على أن المغسلة تأخذ حكماً مستقلاً، ويجوز فيها التلفظ بالتسمية بلا حرج [42، 43، 44].

## سيكولوجية العبادة: التسمية وعلاج الوسواس القهري

تعد مسألة التسمية مدخلاً شائعاً للشيطان لإيقاع المسلم في الوسواس القهري. وقد تضمنت المادة العلمية إرشادات حازمة لعلاج هذه الحالة، منها قاعدة الإعراض التام عن الشك؛ فإذا شك المتوضئ "هل سميت أم لا؟" فالأصل أنه سمى، ويجب عليه عدم الالتفات لهذا الشك [49، 50]. ويؤكد الفقهاء أن التسمية مرة واحدة تكفي، وأن الاسترسال مع الوسوسة يخرج الإنسان عن حد العقلاء ويفسد عليه عبادته [49، 50، 51].

## الاستنتاجات والتوصيات العملية للمتوضئ

يُشرع للمسلم الحرص على التسمية عند بدء الوضوء خروجاً من الخلاف، فإن لم تكن واجبة فهي سنة مؤكدة [13، 18، 21]. وبالنسبة للوضوء داخل الحمامات المعاصرة، فالأمر فيه سعة؛ والأفضل لمن أراد الجمع بين الامتثال والتعظيم أن يسمي بلسانه سراً عند البدء بالوضوء على المغسلة طالما أنه ليس في حالة تلبس بقضاء الحاجة [25، 35، 36]. أما من نسي التسمية فوضوؤه صحيح تماماً ولا يشرع له الإعادة [13، 15، 22]. وأخيراً، يجب التفريق بين التسمية في أول الوضوء والتشهد في آخره، فالأكمل في التشهد أن يكون خارج دورة المياه تعظيماً للذكر [25، 47، 48].

# المصادر والمراجع

 * ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله. "حكم ذكر الله في الحمام." الموقع الرسمي لسماحة الشيخ الإمام ابن باز..

 * ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله. "حكم التسمية عند الوضوء." مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز، المجلد 29..

 * ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله. "حكم التسمية في الوضوء لمن توضأ في الحمام." الموقع الرسمي لسماحة الشيخ ابن باز..

 * ابن عثيمين، محمد بن صالح. "حكم التسمية عند الوضوء في الحمام." إسلام ويب، مركز الفتوى، 2015..

 * ابن عثيمين، محمد بن صالح. "التسمية في الحمام تكون بالقلب." إسلام سؤال وجواب، 2004..

 * ابن عثيمين، محمد بن صالح. "علاج الوسواس في التسمية عند الوضوء." المكتبة الصوتية لسماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين..

 * الخثلان، سعد بن تركي. "حكم التسمية عند الوضوء داخل دورات المياه." الموقع الرسمي للشيخ الدكتور سعد الخثلان..

 * الخثلان، سعد بن تركي. "الفرق بين الوضوء والوضوء وغسل الكفين." الموقع الرسمي للشيخ الدكتور سعد الخثلان..

 * دار الإفتاء الأردنية. "حكم البسملة في الوضوء." دائرة الإفتاء العام، فتوى رقم 265..

 * دار الإفتاء المصرية. "الوضوء في الحمام والذكر أثناءه." البث المباشر الرسمي لدار الإفتاء المصرية..

 * دار الإفتاء المصرية. "حكم الطهارة بمياه الصرف المعالجة." دار الإفتاء المصرية، فتوى رقم 14414..

 * اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. "حكم الوضوء في الحمام والتسمية فيه." فتاوى اللجنة الدائمة، المجلد 5..

 * مركز الفتوى. "أقوال العلماء في التسمية عند بدء الوضوء في الحمام." إسلام ويب، فتوى رقم 241093..

 * مركز الفتوى. "الصيغة الأكمل في التسمية عند الشروع في الوضوء." إسلام ويب، فتوى رقم 241501..

 * الموسوعة الفقهية الكويتية. "أحكام قضاء الحاجة والخلاء." وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت، الجزء 34..

 * النووي، يحيى بن شرف. "حكم التسمية في الوضوء وأدلتها." شرح النووي على صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي..

 * يوسف، محمد. "تخريج حديث لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه." شبكة الألوكة الشرعية، 2021..


تعليقات